ست العجم بنت النفيس البغدادية

77

شرح مشاهد الأسرار القدسية ومطالع الأنوار الإلهية

في نومه واقعة ، فقد حصل له الخطاب في نفسه والشهود من غير داخل يدخل عليه من خارج ، لكنه في حال إلقاء بعض حكم بجسد اشتغلت النفس بتخليها عن هذا الحكم المذكور ، وسرت في أقطار الوجود ، فأدركت بعض الإدراك ولم يمكنها إدراك الكل وعدم الإمكان من أجل أن الجسد لم تلقه النفس إلقاء حقيقيا ، ولم تبقه على نمطه الذي كان عليه في حال اليقظة ، فتغيير الحال « 1 » عليه أوجب له الإدراك المذكور ، وعدم الإلقاء حقق له التخلف عن بعض الإدراك لأن كثافة الجسد لا تدع النفس « 1 » ينفذ في الوجود ، فلو أنها ألقت الجسد في حال النوم حصل لها النفوذ ، فكذلك الحق تعالى في حال فناء الوجود يتجلى بصفاته ، فلا يمكن بعد الاتصاف التفرد ، وقد حصل للوجود فوجب أن يسري خطابه بين صفاته ومظاهره ، فمن أدرك من المظاهر حال هذا السريان حق له الخطاب ، فلما علم رضي الله عنه أنه فان في الحقيقة ووجوده ظاهر لنفسه ، قال : ( أنا العدم الظاهر ) . قوله : ( وأما العدم الباطن فلا يصح وجوده ) أقول : إنما لم يصح وجود العدم الباطن لأن لفظ العدم بمعناه معدوم ، لأنه لو وجد لما صح النطق به ، فإن أدرك أدرك عدم الفناء أي : العدم النسبي والمراد به الفناء لا العدم ، فإننا نسمي الفناء عدما فإن حصل إدراك

--> ( 1 ) قال القاشاني : الحال : ما يرد على القلب الأخذ في السير إلى اللّه من غير تعمد ولا اجتلاب ، وهو نعت إلهي كوني حيث أنه تعالى مع كونه واحد العين : كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ [ الرحمن : 29 ] . وأصغر الأيام الزمن الفرد ، وهذا أصل كونه نفيا كونيا فان في الشؤون ، وعين تحول القلب بالأحوال ، فإن أحوال القلب شؤونه ، ومن شرطه أن يزول في كل زمن فرد . يعقبه المثل إلى أن يصفو وينتهي إلى غايته ، فهو إلى عدم بفنائه زمانين : إما بتعاقب الأمثال ، أو بحكم تعاقب الضد ، ولذلك قال قدس سره : « وقد لا يعقبه المثل » كحال الفرح ، فإنه يستمر زمانين أو أكثر ، وينقطع فيعقبه الترح ، ومن هنا نشأ الخلاف بين القوم . - فمن أعقبه المثل : أي رأى استمرار تعاقب الأمثال قال بدوامه . - ومن لم يعقبه المثل ، بل حول انقطاعه لورود ضده عليه ، قال بعدم دوامه . والحق أن حال الكون يتجدد مع الأنفاس ، ولا يبقى زمانين ، ولذلك قال تعالى فيمن يجهل ذلك : بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ مِنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ [ ق : 15 ] . وقد قيل : الحال تغير الأوصاف على العبد ، كأنه يزيد ظهوره في السر ، والتحلي بالأخلاق الإلهية وأسرارها ، وذلك هو ظهور الآثار الخارقة من همته الفاعلة في الكون بالقوة الإلهية المستندة إلى الأسماء التي يتحقق العبد بها ، وتولى بعد تحققه التصرف بحسبها حتى ظهر في العالم بالهمة الفاعلة والتحكم ، والقهر ، والسلطان ، وإن أراد تغير بكل ما يمكن أن يتصف به كل حال من الأوصاف . فالمعنى يرجع إلى الوجه الأول ، فإن الأوصاف : أحوال يتقلب العبد فيها ، إما بحكم تجدد الأمثال أو الأضداد .