ست العجم بنت النفيس البغدادية
76
شرح مشاهد الأسرار القدسية ومطالع الأنوار الإلهية
الرَّحْمنَ [ الإسراء : 110 ] ، كيف عدل اللّه تعالى عن اسمه الجامع ، وجاء باسمه المنفرد الجزئي الذي تكمل الجمعية به ، وذلك تنازل من درجة الاتصاف إلى خطاب الصفة إذ لو لم يكن تنازلا لما خاطب الصفة بمن أنت ولا كان خطاب الصفة قائلة : أنا ، فنطق بحقيقته عن صفته في قوله : ( من أنت ) وأجاب على لسان الصفة قائلا : أنا ، ولما علم تعالى أن الصفة لا حقيقة لها ، وليس لها عين ثابتة نطق على لسانها بالعدم الظاهر ، ثم ردّد السؤال في قوله : ( لو لم تكن موجودا لما صح وجودك ) ، ولفظه بالوجود لحضوره بالحال المذكورة ، ولفظ الشاهد مجيبا بالعدم في هذا السؤال لعدم الخطاب في عالم الظاهر ، ولنا وجه آخر يفهم من قوله : ( لو لم تكن موجودا لما صح وجودك ) ، يريد به واللّه أعلم أنه لو لم تصلح لهذا المقام لما حققت لك الوجود فيه مع تيقنك بأنك فان ، وهذا يؤيده قوله تعالى : وَما مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ [ الصافات : 164 ] ، فإنه من حين قضي له بالوجود ، قضي له أيضا بالكمال فافترق وجوده بكماله ، وهذا الوجود هو الذي أشار إليه بالعدم ، لأن العدم على الحقيقة هو الوجود ، والوجود المعتقد هو العدم المنطوق به على ألسن العامة ، فليس العدم الذي نطق به هذا الشاهد كالعدم العامي لأنه يشير به إلى الفناء في الذات ، فكأنه قال له : لو لم تكن معدوما لما وجدت في هذا المقام ، ولو صلح الجاهل لكمال أتم من كماله لاقتضى العدل فيضه عليه من محل الرحمة ، لكن سبق منه تعالى : إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْناهُ بِقَدَرٍ [ القمر : 49 ] . ( ص ) [ قوله : ( قلت ولذلك قلت : العدم الظاهر ، وأما العدم الباطن فلا يصح وجوده ) ] . ( ش ) قوله : ( قلت : ولذلك قلت العدم الظاهر ) أقول : معناه أن العدم الظاهر هو حقيقة النطق في هذا المقام ، ولا يحمل العدم على باطن الحقيقة لأن باطنها عدم في عين وجود ، ولما كان البعض يشهد الفناء وهم الأولياء ، والبعض يشهد الوجود وهم الجهّال وجب إظهار العدم الباطن إلى خارج ، فلما قال : ( أنا العدم الظاهر ) ، أراد بقوله : العدم المختلف فيه ، إذ الفاني يشهد موجودا ، وهو بعينه المختلف فيه بقوله : ( أنا ) يدرك منه شاهد ومشهود : لأنه سبق بمن أنت ؟ فالقائل أولا موجد ، والناطق بالأنانية معدوم ، وعدمه ظاهر عند الناطق أولا ووجوده لنفسه أوجب له النطق بالظهور ، لأن الشاهد ما دام في حال الشهود يدرك نفسه ولا يشهد فناءها والمشهود لا يدرك لنفسه ثانيا ، فالخطاب الساري بين الشاهد والمشهود هو خطاب المتصف لأوصافه ، ومثال هذا : النائم المدرك