ست العجم بنت النفيس البغدادية

75

شرح مشاهد الأسرار القدسية ومطالع الأنوار الإلهية

الاختلاف بالعبارة حاجزا مميزا لحد عبارة تليق بأظلال اللطائف ، فهذا الحاجز مميز ، فإذا حصل هذا التمييز أطلق عليه النتيجة بما يدرك منه من الظل ، وإظلاله معقول الحروف المؤدية إلى المفهوم ، لأنه إذا نطق الواحد من الناس بحرف رسم في أذن السامع رسما ، فيكون ذلك الرسم هو الظل المذكور . وقوله : ( لو لم تكن موجودا لما صح وجودك ) خطاب ذو وجهين : باطن وظاهر فالظاهر من قوله : ( لو لم تكن موجودا لما صح وجودك ) ، أي : لو لم تكن موجودا في العلم لما صح وجودك في الظاهر ، هذا على رأي من يقول : إن العالم موجود حقيقي له وجود مباين للّه تعالى ، وهذا الرأي يباين قول العارف : إن العالم لا حقيقة لعينه ، والوجه الآخر هو تنبيه على وجود الفاني كأنه يقول : لو لم تكن موجودا في هذا المقام لما أطلقت على نفسك العدم الظاهر ، لكن في قوله العدم الظاهر كفاية في هذا الجواب ، فلما قال له : من أنت ؟ وجب أن يقول في الجواب : أنا العدم الظاهر ، لأن إرادة اللّه تعالى كلامه ، ومحال أن يستنطق تعالى صفة من الصفات ، ويتخلف عن الجواب ، لأن الصفات في علمه مع فنائها متمايزة ، ونفس التمايز أوجب لها التكلم في حال الاستنطاق ، لأن التحديد الذي أفضى إلى تمايزها هو الحجاب بين الصفات المتعددة ، ولهذا إذا استنطق اللّه تعالى واحدة لم يجب الجميع ، وكان يسبق في العلم أن كل واحدة تخاطب خطابا يليق بها ، فليس قوله للعارف من أنت ؟ كخطاب للجاهل وهو لا يعلم ، وفي مثل ذلك قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « إن المصلي يناجي ربه ، وإن اللّه تعالى في قبلة المصلي « 1 » » مع أن الجاهل لا يسمع مناجيا ولا يرى في القبلة أحدا ويعضد هذا قوله للآخر : « فإن لم تكن تراه ، فاعلم أنه يراك « 2 » » وليس من يعلم بالتقليد كمن يشهد عيانا ، وهذا التنزل من شهود العيان لا من علم التقليد . فقوله : من أنت ؟ تنازل ينشأ من المماثلة ، لأن قوله من أنت [ ذات ] « 3 » كاملة ، وكمالها أوجب لها السؤال ، وهذا التنازل مأخوذ من قوله تعالى : قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا

--> ( 1 ) رواه البخاري ( 1 / 190 ) ، ومسلم ( 1 / 193 ) . ( 2 ) رواه البخاري ( 1 / 27 ) ، ومسلم ( 1 / 37 ) . ( 3 ) ما بين [ ] غير واضح بالأصل ، وما أثبت هو الصواب .