ست العجم بنت النفيس البغدادية

74

شرح مشاهد الأسرار القدسية ومطالع الأنوار الإلهية

ويفهم من فحوى النطق بوجد ، أن الشيء لم يكن ثم كان ، وهذا فيه بعد لفظتا : ( موجود ووجد ) أحدهما تبعد الآخر ، لأنهما معقولتان بالنسبة إلى الحاضر ، فالقديم والمحدث يشتركان في الوجود لعموم لفظ موجود ، ويباينه المحدث بلفظه وجد ، فإن قيل : إن الوجود المطلق لفظ يختص بالقديم ، فنقول : إن الوجود لا يعقل له أول إلّا الفروع المتعددة شيئا فشيئا ، قال : إن الوجود وجد جهل أو أنه موجود جهل أيضا لأننا نتيقن الوجود لا بحقيقة لعينه ظاهرة ولا باطنة ، ولا يطلق عليه حدوث ولا قدم لأننا إن قلنا : محدث أثبتنا ثانيا مع اللّه تعالى ، وإن قلنا : قديم كنا عارين عن التبعية ، ومبنى قولنا عليه من قوله صلى اللّه عليه وسلم : « كان اللّه ولا شيء معه ، وهو الآن على ما عليه كان « 1 » » . والذي حدا الناطق بهذا اللفظ على أن نقول قديم ومحدث ، وهو كمال الجهل وأخذ الناقص في طريق الكمال ، وفات هذا القائل أن اللّه يتحّول لنفسه في أطوار مخالفة كيف شاء إلى حيث شاء ، ولا يعلمها إلا هو ، وتأييد التحّول الحديث الصحيح الذي ذكرنا فيه أنه سبحانه يتحول يوم القيامة من صورة الإنكار إلى صورة المعرفة بغير كيفية تعقل البتة ، فإن قيل : فالعارف أيضا قد أثبت لنفسه الخطاب ، وهو لا يكون من اثنينية ، فنقول : إن العارف فان فلا حقيقة له ، فخطابه للّه كخطاب الصفة في حال الاتصاف بها ولا حقيقة لعينها ، ولهذا قال في مفتتح الخطاب : ( أنا العدم الظاهر ) . وقوله : ( والعدم كيف يصير وجودا لو لم تكن موجودا لما صح وجودك ) ، يريد به الإلزام بإظهار الحجة عليه لكن يشوبه قبول ما ، لأنه في تكملة الجواب وصف العدم بالظهور ، وعلم اللّه تعالى بالصفات تخاطب موصوفاتها بما يليق بها خطابا علميا ، وحيث وجب هذا الخطاب وفرط من الشاهد القول بالعدم قوبل بقوله : ( والعدم كيف يوجد ) ، ولما اقترن العدم بالظاهر ، قيل : ( لو لم تكن موجودا لما صح وجودك ) ، فوجوده علمي خاف كخفاء حقيقة العلم ، وعدمه واجب لأن ما في العلم لا حقيقة له إلا بطريق الجواز لأننا نتعقل أن العبارة تنتج شيئا بلا نسبة إليها ، لكن نتيجتها كنتيجة الوجود كما أنه يدرك كثيرا كذلك يعقل متزيدا بالعبارة ، وليس كذلك مع أن العالم يتيقن أنه لا زيادة لجثمانه بعلمه ، ولا زيادة لدرايته ، والعلم كظلال نتائج لطائف يتموج في أطواره ، فيكون

--> ( 1 ) رواه النسائي في الكبرى ( 6 / 363 ) ، والحاكم في المستدرك ( 2 / 371 ) ، بنحوه .