ست العجم بنت النفيس البغدادية

73

شرح مشاهد الأسرار القدسية ومطالع الأنوار الإلهية

بالموجودات المشهودة له ، معدومة ، لأن قبل الكمال اتصاف بالعدم بمنزلة الصفة . ( وقيل له : من أنت ؟ قال : أنا العدم الظاهر ) أي : أنا المعدوم في أصل نشأتي الموجود لك في حال التفرد بالإطلاق ، وهذا الجواب لا يكون مع المجموع ، وهذا العدم هو عدم المقيدات وفناؤها في إطلاق اللّه الذي هو الوجود الحقيقي ، ولهذا نطق بالعدم الظاهر لأنه موجود للّه ظاهر له ، ومعدوم عمن سواه ، وهذا الخطاب قد كان وقت قيام الشاهد بمجموع الصفات والأسماء وتيقنه أنها والشاهد فانية في حقيقة اللّه تعالى موجود له معدوم لنفسه إليه غيب ، وكل غيب لا يحصل في الواقع فهو عدم ، وإن كان اسمه موجودا ، فمتى نطق به للمخيلة من مستند ، فاستناد المخيلة إلى هذا المنطوق باسمه هو وجوده ، ولكنه وجود خاف ، والشاهد في مقام الخطاب عدمه لها ، كهذا العدم لأن هذا العدم هو لحقيقته ، فصار وجوده في حال الخطاب عدما نسبيا وحقيقته وجودا ، صار وجوده في حالة الخطاب حقا . وإلى وجوده أشار بقوله : ( أنا العدم الظاهر ) ، وذلك لأن الشهود عالم ، والأشياء موجودة في علمه ، ولا يطلق عليها العدم الحقيقي من حيث وجودها ، بل يطلق عليها الظهور ، فإذا وصل الشاهد إلى هذه المعرفة يكون قد فني اضطرارا لأن ظهور عينه لنفسه بعد تيقنه بالعدم تحقق على نفسه الفناء بشرط الكمال بعد علمه أنه موصوف بعدم الوجود الحقيقي ، هذا حقيقته في الباطن ، وأما في الظاهر ، فإنما نطق بالعدم لأن الظاهر فاني ولا حقيقة لفنيه ثابتة ، وإن كان مدركا ، لكن من شرط كمال الواحد إدراك الجاهل الكثرة ، وإطلاق الواحد على نفسه العظمة ، فعند إطلاق هذا الاسم يتسمى بها ، مع خصوصا لائقا بما سبق من العظمة ، ففناؤه في الظاهر كعدم الأشياء في الذات ، وعدمه في الذات كفناء الصفات فيها ، فيصير الشاهد ذا اسمين متشابهين اسمي فناء وعدم ، وأحدهما للظاهر والآخر للباطن ، وتلفظه بالعدم فاصل ، والعدم بينهما ، ولهذا بدأ به ، لأن الشاهد في حال الشهود من عالم الباطن ، فابتداؤه بالعدم إلى حيث تكميل اللفظ بالظاهر ، كابتداء الشاهد بالشهود من الظاهر إلى الباطن . قوله : ( والعدم كيف يصير وجودا ) معناه أنك لو كنت عدما لما وجدت ، ولا انطلق عليك اسم الوجود لأن لفظ العدم في هذا الوجود محال أي لا يصدق معناه لأنه قد وجد ، فلا يصدق عليه العدم . وقولنا : وجد ، لما نتعقله من الزمان الذي كان فيه ولا شيء ، وقولنا : وجد وموجود يشتركان في المعنى .