ست العجم بنت النفيس البغدادية

63

شرح مشاهد الأسرار القدسية ومطالع الأنوار الإلهية

( ص ) [ قوله : ( وإنما يرث الرجل أقرب الناس ، وأنا أقول بالبقاء ولا أقول بالفناء لا في مقام ما ، وهذا هو النمط الثالث ، وليس وراءه مقام ولا مرمى إلا مقام ما لا يقال ، وهو في سورة الأحزاب عند ذكر مسكن الصفات المحمدية ) ] . ( ش ) أقول : مراده بذلك القرب من الأنبياء للاشتراك في عموم العلم قال : رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « العلماء ورثة الأنبياء » ولم يقل : ورثة الرسل ، لأن العلم عام والرسالة خاصة ، فيشترط أن يكون الرسول عالما ، وليس كل عالم رسولا ، فعموم العلم احتوى على الأنبياء والأولياء ، فاشترك الأولياء مع الأنبياء في العلم بنسبة العموم ، وباينوا الرسل في خصوص الحكم ، فالأولياء عالمون محجبون عن الحكم الظاهر ، فالمنوط بالتقويم محكوم عليهم بالتسليم ، والرسل حاكمون ظاهرون بالحكم كالخلافة وما أشبهها ، فلا يظن أن الأولياء يرثون الرسل في الظهور بالحكم ، وإنما يرثون الأنبياء بالدخول تحت عموم العلم ، وللنسبة المذكورة من الاشتراك كانوا أقرب الناس إلى الأنبياء عليهم السلام . ص [ وقوله : ( وأنا أقول بالبقاء ولا أقول بالفناء لا في مقام ما وهذا هو النمط الثالث وليس وراءه مقام ولا مرمى إلا مقام ما لا يقال ، وهو في سورة الأحزاب عند ذكر مسكن الصفات المحمدية ) ] . ( ش ) أقول : كونه قائلا بالبقاء دون الفناء ، لأن البقاء درجة الكمال والفناء درجة تتقاصى عن لحوق الكمال بل لا نسبة لها إليه ، لأن هذا الفناء لا يحصل للعارف به سوى التوحيد العاري عن التمايز حصول اتصاف لا عبارة عنه ، ويفضي به هذا الحاصل إلى الوقوف لأنه يفنى ويفني جميع ما ينطلق عليه الوجود ، وهذا يسمى عندهم صرف الفناء المنزه عن الحدود ، لكن العارف به يحصل له الإدراك في هذا الوصف ، فإذا فني إدراكه المقيد وبقي مطلق الإدراك بقي فناء الفناء ، ومحال أن يقف العارف عند الفناء ، لكنه يستعلي آخذا إلى غاية الكمال ، لأن فناء الفناء عند الرجعة ينطلق عليه اسم البقاء ، وليس مراده ذلك رضي الله عنه وإنما مراده بقاء هذا البقاء بعد الإحاطة بمرتبة الكمال ، لأنه إذا أطلق عليه البقاء الأول عند فناء الفناء ، يسمى إثبات المحو لا غير ، فعند الزيادة بالنور المحدد للكثرة يزداد اليقين بالبقاء الآخر ، وهذا مقصده . وقوله : ( ليس وراءه مقام ولا مرمى إلا مقام ما لا يقال ) يريد به سلب المقامات عن الواصل إلى هاهنا ، وهو المتصف بالكمال الأتم ، لأن قصارى أمر العارف هذه الغاية ، وهو الذي لا ينسب إليه مقام إلا احتوائه على مجموع المقامات ، وبأحديته يجعلها واحدة