ست العجم بنت النفيس البغدادية
64
شرح مشاهد الأسرار القدسية ومطالع الأنوار الإلهية
وبفنائه يجعلها فانية ، ومن هاهنا يسمى عارفا عالما ، وليس وراءه مقام معين إلا مقام لا ينطق به إلى غير مقام منطوق به ، ويريد به أن العارف الكامل لا يوصف بمقام . وقوله : إنه في ( سورة الأحزاب عند ذكر مسكن الصفات المحمدية ) يريد به قوله تعالى : يا أَهْلَ يَثْرِبَ لا مُقامَ لَكُمْ [ الأحزاب : 13 ] . والإشارة فيه إلى نفي صدق المقام على النبي صلى اللّه عليه وسلم لكماله الجامع لجميع المقامات . ( ص ) [ قوله : ( والعلماء على ضربين عند الوصول : منهم من رجع ومنهم من لم يرجع ، منهم من اختير له المقام ، ومنهم من لم يختر له المقام ، فمن لم يرجع ، اصطلحنا على تسميته واقفا ) ] . ( ش ) أقول : يريد بذلك شاهدين : المحو الذي يعبر عن شاهده بالواقف ، فهم عند الرجوع من هذا الشهود على قسمين : منهم من رجع كاملا قد شهد في خلعة الواحد من تبيين أحدهما مرتبة شهود المحو ، والثانية مرتبة شهود الثبوت وهي الكمال ، فهذا يسمى راجعا ، وقد أريد له المقام في المعرفة والكمال . ومنهم : من يرجع ناقصا فلا يطلق عليه الرجوع بل يطلق عليه الوقوف ، وإن كان راجعا من الخلع فليس هو راجع من الشهود ، ولهذا يسمى واقفا ما دام محوا ، فالرجوع الحقيقي هو الانسلاخ عن المحو ، والدخول في المرتبة الثالثة ، ويشترط في هذا الرجوع الذي كمل صاحبه القدرة على فتح العبارة ، وبقاء العقل على ما كان عليه وزيادة ، وهذه الشروط تباين الواقف الذي لم يرجع لأن دأبه صمت وسكون وعدم فرق إذ لا كثرة في وجوده ، والنطق والعبارة يقترنان بالكثرة ، وهذا الواقف قد فني وأفني له كل متكثر ، فهو وإن رجع من الخلع بجثمانه ، فلا ترجع نفسه ، والرجوع الحقيقي لا يكون إلا للنفس ، فهذا هو الذي اختير له المقام في الوقفة ، وصاحب الفرق والعبارة ، والذي اختير له المقام في الكمال ، وإنما أطلق على الاثنين مسمى العلم ، لأن كليهما قد اتصفا به ، وأحدهما باطن فقط وهو الواقف ، والآخر ظاهر وباطن وهو الراجع بالكمال ، والوقفة يقال إنها على أقسام ثلاثة : واقف في الحدود ، وواقف في الشهود وهو القابل أوقفني ، وواقف في المحو لا يقدر على القول والعبارة ، وهو هذا وسنبين كيفية ذلك ، ولميته ، وحدّه ، وصورته في شرح المشاهد إن شاء اللّه تعالى لأنها مقصودنا بالشرح . ( ص ) [ قوله : ( قال أبو مدين رضي الله عنه : من علامات صدق المريد في بدء إرادته فراره عن الخلق ، ومن علامات صدق فراره عن الخلق : وجوده للحق ، ومن علامات صدق