ست العجم بنت النفيس البغدادية
62
شرح مشاهد الأسرار القدسية ومطالع الأنوار الإلهية
( ص ) [ قوله : ( وأثبتني في ديوان الكشف والظهور ، وجعلني أتردد بين سدرة المنتهى والبيت المعمور ) ] . ( ش ) أقول : معنى قوله : ( أثبتني ) يريد به القطع باليقين ، إذ معنى الإثبات عند الأولياء هو هذا ، وهو اليقين الذي لا تردد فيه ، فلا يتصف الشاهد بالكمال إلا بعد حصوله هذا اليقين ، فإذا حصل اليقين استصحب الطاقة على التفرد في التمكين ، فيعني بقوله : ( أثبتني ) أي صدر مني هذا الخطاب بعد اليقين بالثبوت في مراتب الكشف المتعددة ، قوله : ( في ديوان الكشف ) لأن الديوان تحديد القطع باليقين ، فلا يظهر فيه إلا من حكمه بالاتصاف على هذا التحديد ليصدر عنه مثل هذا الخطاب وما أشبهه . قوله : ( وجعلني أتردد بين سدرة المنتهى والبيت المعمور ) إنه في حال القطع باليقين يتصرف العارف في منازله بالاختيار بعد التردد في أطوارها ، والشرط فيه أنه يقلب الأكوان إلى أبنية مراده ، ويتردد في الأطوار إلى حيث المشيئة ، فسدرة المنتهى آخر ما تنتهي إليه العبارات من السماوات ، والبيت المعمور بنية ما يقابل المسجد الحرام إلى ما يلي المقام المحمدي ، فيتردد العارف بينها ، لأن مشيئته عادت اختيارا مع نزع التكليف الباطني ، وإذ هو عالم الوحدة ، فيكون عاريا عن الاختيار ، ويعود العارف فيه نفاذا إذ لا يبقى بينه وبين الأطوار حجب تمنع نفوذ جثته عند التردد ، ما علا وهبط كتنزيل الأمر بين السماوات والأرض . ( ص ) [ قوله : ( إذ هي درجة الصديقية الجارية عن أسلوب الآثار النبوية . قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم « العلماء ورثة الأنبياء « 1 » » ] . ( ش ) أقول : إنه آخر الترقي من الإيمان إلى سدرة المنتهى ، فمن أعطي التمكين في القدرة على التردد بين المحل الذي ينتهي إليه إيمانه وبين سدرة المنتهى ، كان هذا صديقا وإن لم يسبق علمه بذلك ، فإن ترقى عن ذلك مع القدرة أيضا كان عالما وارثا متصفا بأوصاف المعرفة ، فيقدر على إظهار مثل ذلك وما أشبهه مما يليق بالعلماء العارفين ، وقوله : ( الجارية على أسلوب الآثار النبوية ) ، معناه أن العالم إذا ارتقى إلى درجة التمكين واختار اللّه له الظهور كان استمداده في ذلك الظهور من مدد الوراثة النبوية الموصوفة بالرسالة وإن لم يكن مختارا للظهور كان استمداده من الأنبياء غير المرسلين ، ويكون صدّيقا غير متردد ، والشيخ رحمه اللّه يستعلي على هذا المقام بالقدرة على التردد .
--> ( 1 ) رواه أبو داود ( 3 / 317 ) ، والترمذي ( 5 / 48 ) ، وابن ماجة ( 1 / 81 ) .