ست العجم بنت النفيس البغدادية

61

شرح مشاهد الأسرار القدسية ومطالع الأنوار الإلهية

في الأعصار ، ولأجل واحدية هذه المعرفة ، وورودها بعبارات متباينة على ألسن هؤلاء قال للناظر في كتابه قل في الجواب : وَالْقَمَرَ قَدَّرْناهُ مَنازِلَ [ يس : 39 ] يريد به الإشارة إلى واحدية هذه المعرفة واختلاف عباراتها كالحال في القمر وتقديره في المنازل ، وليس المراد بتقدير هذه المنازل إلا التورية عن تقدير اختلاف هذه العبارات ، فهو يحكي المعرفة في واحديتها ، والعبارات المختلفة في تقدير منازله ، وذلك أن القمر في نظر العين صورة واحدة قد قدر منازل ، كما أن المعرفة واحدة تظهر بعبارات مختلفة بقدر تنوع المظاهر بالأنبياء والأولياء ، وعلماء الرسوم ، والكاملين في الجهل . وقوله : ( وهو كمال الوجود ) ، يشير إلى افتقار الوجود إلى القمر كافتقار الطالبين لمعرفة أحدية الوجود وكونه مكملا لاقتسامه بنصف الزمان ، ولهذا جعل سلطانه بالليل ، وقيل فيه : إنه آية ، وهذا الجواب رمز يعتقد فيه الإشكال ، وليس ذلك المشكل كله فقد أوضحناه كما رأيت ، فكأنه قال : إن قيل : إنك نقلت من كتب السلف وأساطير الأولين فقل في الجواب : إن المعرفة واحدة ، وتختلف العبارات عنها قوله في الرسالة التي قدّمها على المشاهد : ( أوقفني من أوقف كل وارث وعارف ، وأمدني بالأسرار الإلهية في المشاهد والمواقف ) ، أقول مراده بقوله : ( أوقفني من أوقف كل وارث وعارف ) الاطلاع الذي حصل للأولياء السابقين عليه بالفاعل الذي اختار المعرفة لهم ، وتسميته لهذا الضرب من هذه العبارة وقفة لأنه حاصل له قبل كماله ، إذ الشاهد في حال الوقفة يتصف اتصافا ولا يقدر على العبارة إلى حيث يكمل بالمرتبة الثالثة المشهودة لمن أريد له الكمال بعد هذه الوقفة ، فكأنه يقول : ولجت في محل ولجته الأولياء من قبلي بإرادة الوهاب الذي وهب لهم المعرفة ، ويلحظ من هذا القول الاتصاف بالفناء لأن أحدا لا يقوم في مقام حتى يتصف به ، والاستعلاء عليه بوصف آخر ، وهو الحاصل له بعد رجوعه من شهود الوقفة ، وولوجه في شهود آخر ، ففي هذا الشهود الآخر يكون استمدادا للأسرار ، وهذا مباين لمن يقف ويتصف بوقفته ، إذ لا يتصف بغير أوصافها التي هي استمداد الأسرار والفيض الفهواني إلى غير ذلك ، فكل ذلك يباين الوقفة كما قلنا ، ولهذا كان العارف الكامل يتجاوزها إلى الفرق والتفصيل وفتوح العبارة الفهوانية إلى كثير من الأوصاف ، وهي معلومة لنا على اختلافها ، وعرفنا أيضا أنه عرف مقاماته المتعددة التي ولج فيها قبل الكمال ، وثبت متصفا إياها في حال الكمال ، وحيث قرن المعرفة بالوراثة بلفظين ذكر المشاهد والمواقف متميزين لأننا قلنا : إن الواقف ينقص عن الكامل ، والكامل هو صاحب الشهود لا صاحب الوقفة ، ولكل واحد منهما مدد ، هذا بحسب كماله ، وهذا على قدر نقصه .