ست العجم بنت النفيس البغدادية
60
شرح مشاهد الأسرار القدسية ومطالع الأنوار الإلهية
( ص ) [ قوله : ( ولا ينبغي أن يقف عليه إلا الوارثون لا العارفون ولا الواقفون إذ المعرفة حيرة وتثبت الواقف غيرة ) ] . ( ش ) أقول : إن مراده بقوله لا ينبغي أن يقف عليه إلا الوارثون وارثو الإيمان من الرسل صلى اللّه عليهم أجمعين ، فإن المؤمنين وارثو الإيمان من الرسول صلى اللّه عليه وسلم استمدادا من النشأة الرحمانية التي عمت في بعثته وهو استمداد من البعثة ، ويختص الأولياء بجذب زائد على جملة المؤمنين ، فيكون من المعرفة الخاصة بالرسول ، وليس مراده بالإرث هاهنا إرث المعرفة ، لأنه نفى وقوف العارف إذ لا حاجة إليها لأنه مستغن بما قد فتح عليه من الحقائق النازلة على مثله ، إذ المعرفة واحدة وهي حاصلة لكل منفرد في عصره ، فالأولياء وارثو الولاية من الإيمان ، بخلاف الوارثين لمجرد الإيمان لا غير ، فكأنه قال : لا ينبغي أن يقف عليه إلا مؤمن وارث فقط . وقوله : ( لا العارفون ولا الواقفون ) ، أما نفي الوقوف المتعارف عليه ، فغلط لأن العارف لا يصدق عليه المعرفة إلا بعد كمال الإرث ، فكأنه يريد بقوله هذا التمييز بين الوراثة والمعرفة ، ولا معنى للمعرفة إلا بعد كمال الوراثة ، وأما نفيه للواقفين فحسن ؛ لأن الواقف عادم للفرق ، وهذا التنزل ورد بعد كمال المطلع على عالم الفرق واستعلائه على مقام هذا الواقف الذي قد أوقف في شهود المحو ، فمتى اطلع على هذا الكتاب واقف ، أفضى به إلى النفور ، لأن الوقوف مرتبة ناقصة ، والفرق لا يرد إلا من مرتبة الكمال . ( ص ) [ قوله : ( فإن قيل : ولعلك جريت على أسلوب من تقدم دعما أودعوه في كتبهم تترجم فقل عند ذلك : والقمر قدرناه منازل وهو كمال الوجود ) ] . أقول : مراده بهذا الاعتراض أن ينبه على أن كثيرا ما يتحرص على الأولياء ، بأنهم حفظوا من الكتب السالفة ، وأبدوه إلى الناس ، ولا غرو فإن النبي صلى اللّه عليه وسلم قد قيل في حقه : إِنَّما يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ [ النحل : 103 ] . ناقل وموجب هذا في حق بعض الأولياء علاوة عن الكرامة الخارقة للعادة ، وذلك إخفاء في بعضهم لتكمل دائرة الولاية في كل زمان لأن كل ولي يظهر فلا بد له في طور الولاية من أثر ، ويكون ظهوره على ذلك الأثر ، فكل من صدقت عليه الولاية فهو ختم لطور الولاية كالقول : كان ولا شيء ، وهو الآن على ما عليه كان ، والمعرفة واحدة وهي عبارة عن : الاتصاف بمجموع أوصاف اللّه تعالى ، وهي حاصلة ، لكل منفرد في عصره ، لكنها تظهر بعبارات مختلفة ، والمعنى واحد ، وكذلك العبارات فهي لكل واحد حاصلة ، ويعبر عنها عبارة مخالفة في الظاهر موافقة في الحقيقة ليحصل التمييز بين كل واحد من العارفين ، ولتنتفي دعوى المفترين بإجماعهم والمنفردين