ست العجم بنت النفيس البغدادية
59
شرح مشاهد الأسرار القدسية ومطالع الأنوار الإلهية
المطهرون من التخييل والتلبيس ) معناه لا يلتبس به إلا أهله العارفون واضعو الأشياء في مواطنها ، فإن الكتب يصدق عليها المماثلة من حيث الاسم ، وتمتاز بالجلالة والحقارة ، فالمميز بينها هو المطهر من التخييل والتلبيس ، أما في الظاهر فمن النجس وجميع ما تعافه الأنفس من القاذورات ، وأما في الباطن فمن الشكوك والوقوف عند الحدود التي ينشأ عنها التردد والسماع من غير إصغاء ، وعدم القبول الذي يفضي بصاحبه إلى عدم التعظيم ، وهذا كله يباين التنزل الشريف القلبي . ( ص ) [ قوله : ( وقيل لي : خذه بقوة ، وأخبر كل من رآه وحققه وأمعن النظر فيه ودققه ، إن وقف مع الأضداد في ظاهره كان له ران على قلبه ) ] . ( ش ) أقول : معنى الأخذ بقوة : سرعة جذبه للخطاب الذي يحصل له في عالم الباطن من ربه وذلك أن الشهود الكشفي يكون في آن واحد ، فإن لم تكن القابلية شديدة الصقال والناظر فيها قوي البطش ، نافذ البصر حتى يضبط ما أبرز له محددا في عالم الباطن بقهر الروحانية المخبرة أو المحددة أو المعطية من غير خطاب ، وإلا لا يصدق الجذب بقوة ولا يحصل لكشفه التمييز من الكشوف المتنوعة . ويفهم من هذا الشهود أن الشاهد شديد الصفاء ، والمشهود قوي التحديد ، ظاهر التمايز ، قوله : ( وأخبر كل من رآه ) ضرورة من أجل أن العارف في الكامل أول ما يفاجئه عدم الخصوص ، فكأنه اشترط عليه في محل الخطاب السر أي أن لا يخفي ما أظهر له من كمين الغيب إلى عالم الشهادة . وقوله : ( إن وقف مع الأضداد ) يريد به أن التنزل على الأولياء يخالف التنزيل على الأنبياء لأن الأنبياء صلوات اللّه عليهم ، يجيئون بما تألفه قلوب الناس لئلا يقع النفور من تنزيل مخالف للعادة ، وقد قال صلى اللّه عليه وسلم : « في ذلك أمرنا أن نخاطب الناس على قدر عقولهم « 1 » » التنزيل على الأولياء لا يشترط فيه ائتلاف القلوب لأنه صادر عن محل النفور وهو الموت ، هذا لا يستحيل فيه الجمع بين النقيضين ، لأن الموت ضد الحياة ، فمن وقف مع ظاهر هذا التنزيل الذي قد قيل فيه بعدم استحالة الجمع بين الأضداد كأن هذا التنزيل بعينه حجابا على قلب الناظر ، ولهذا قال : ( لا يفتح لباب ولا يبدو لسره لباب ) أي لا يفتح لباب فكر يبدو لسره فيها زيادة دراية .
--> ( 1 ) رواه الديلمي في الفردوس ( 1 / 398 ) ، والعقيلي في الضعفاء ( 4 / 125 ) ، وهو صحيح كشفا .