ست العجم بنت النفيس البغدادية
58
شرح مشاهد الأسرار القدسية ومطالع الأنوار الإلهية
التحديدي ، وهذا لا يكون إلا بعد الكمال الأتم ، لأنه في حضرة الشهود الثبوتي يتحقق الشاهد ثبوت الأعيان بأحديتها ، ويحصل للشاهد المتصف الإدراك على حسب الاختلاف بعد الاتصاف بأحدية هذا الإدراك ، ولا يعدم من الشاهد المصلحة ، ولا الخطاب ، ولا السماع ، ولا الاختيار ، ولا يزداد إلا الجمع بين النقيضين من أجل أنه يشهد الكثير واحدا ، والواحد كثيرا في آن واحد بإدراك واحد ، ولا أعني بالجمع بين النقيضين إلا ما هو محال في العقل من غير تأويل ، ولا تغيير بل جمع بين النقيضين مع اجتماع الشروط التي يتوقف عليها إثبات التناقض ، فإن طور الولاية يخالف ما ألفه علماء الرسوم الحاكمون بمقتضى عقولهم ، فنهاية العارف الكامل أن يشهد اجتماع النقيضين ، وهو أنه يشهد الواحد كثيرا والكثير واحدا في آن واحد وجهة واحدة ، ولا يبعد أن الشاهد في هذا الشهود ليفاجئوه ، ما لم يكن معهودا له من إظهار باطن إلى ظاهر يكون فيه مصلحة وما أشبه ذلك ، فأمر هذا الشهود بإبراز هذا الكتاب بعلمه رضوان اللّه عليه أنه ليس يسلب الاختيار عن الشاهد هاهنا . ( ص ) [ قوله : ( وعرفهم بإنزاله من حضرة التقديس على الجوهر النفيس لا يمسه إلا المطهرون من التخييل والتلبيس ) ] . ( ش ) أقول : مراده بقوله : عرفهم بإنزاله أن الأولياء في حال الفيض لا تتغير عليهم الأحوال ، بحيث لا يدركون فيها التنزل عليهم لأن الموارد التي ترد عليهم باطنية لا تشهد من خارج ، ومن هذه الجهة يجدون الفرق بين التنزل عليهم والتنزيل على الأنبياء ، فإن الأنبياء عليهم السلام يتنزل إليهم الأمر على لسان رسول من خارج ، والأولياء ينطق اللّه في قلوبهم وعلى ألسنتهم بغير واسطة رسول يتراءى لهم من خارج ، فإن لم يبرزوا ما ألقي إليهم إلى الظاهر ، وإلا فلا يظهر ذلك عليهم ، ولا ينفصل عن قلوبهم . فقوله : ( عرفهم بإنزاله ) أي : أعلن بما نوديت به في حضرة القلب وعبارته عنه بالإنزال من أجل أن المنزه يتعالى عن التشبيه والتمثيل وغير ذلك من صفات النقص ، وهو وارد من حضرة التقديس الذي هو محل المنزه المستعلي عن الوجود ، فيكون بالنسبة إلى استعلائه ، نزولا إلى محل يكاد يصدق عليه المماثلة كالخلق على الصورة ، وكالقول على لسان العبد ، ولهذا جعل له محل من الجواهر المنزهة عن الكثافة ، ولذلك روى عنه بالجوهر النفيس ، لأن الجوهر في حال المماثلة يتقدس عن كثائف الأجرام المحسوسة ، لما أمكن فيه من اللطافة ، ولا معنى للمقدس إلا لطيفة يتنزه عن الكثائف المحسوسة وقوله : ( لا يمسه إلا