ست العجم بنت النفيس البغدادية

57

شرح مشاهد الأسرار القدسية ومطالع الأنوار الإلهية

في لسان الأولياء : بالقطب والغوث ، وهذه المرتبة هي التي تشهد فيها حضرات جمة لا تتناهى كثرة ، لأن فيها الجمع بين النقيضين ، فمن حيث الكثرة تشهد هذه الحضرات متنوعة ، ومن حيث الأحدية تشهد واحدة ، والكل في آن واحد . وقوله : ( جمة ) يريد به ما ذكرناه هاهنا من أن أوصاف هذه الحضرات لا تحصى عددا لأن الشهود الكمالي الذي يكون بعد شهود المحو هو شهود ثبوت الأعيان في حقائقها ، وهو ما أشرنا إليه من الجمع بين الأشياء ونقائصها وبين الأشياء ومضاداتها وكثرة الكون لا تحصى على اختلاف تنوعاته إلا للشاهد المراد ، لجعلها واحدة بعد الاتصاف بهذه الوحدة ، فيحصل له إدراكها على اختلاف أنواعها ، فكلما أدركه منفردا أسماه حضرة ، فهذه همته إذا أخذ في طريق الكمال ، وأما الواقف في شهود المحو فلا ترتقي به همة جذب ، من أجل أن المراد به الوقوف . ( ص ) [ قوله : ( حتى انتهيت وما انتهيت ، وأريت وما رأيت ، وأفناني في حضرة الهوية بإبراز هذا الكتاب ، وإخراجه إلى العالم المحسوس ) ] . ( ش ) أقول : إن قوله : ( حتى انتهيت وما انتهيت ) يريد به أنه في حال شهود المحو وفناء الأعيان ينتهي كل متجزئ إلى محوه في الأحدية ، لأنه لا فائدة في محو الكثرة إلا جعلها واحدا ليتمكن يقين الشاهد في أنه لا حقيقة لعين ثابتة ، ويتمكن يقينه بأن لا شيء من خارج يدخل فيفني هذه الكثرة ، لكنه يشهد فناءها في عين الظاهر بها ، فالزيادة على هذا لاطلاع اليقين لا شيء يخرج عن الأحدية ، فعند هذا تنتهي الأعيان ولا تنتهي إلى فناء عدمي ، لكن تنتهي إلى فناء تمييزها ، لأن القصد في هذا الشهود بقاء التوحيد مع فناء التمييز ، فتنتهي عين المطلع إلى حيث الفناء ، ولا ينتهي إدراكه إلى حيث وصوله إلى الأحدية ، فبعد هذا يتصف الشاهد بالهوية وهذا معنى قوله : ( حتى انتهيت وما انتهيت ) يعنى انتهت غيبتي ، ولم ينته إدراكي ، وقوله : ( وأريت وما رأيت ) معناه أن المراد بهذا الشهود وهب من اللّه تعالى لإظهار هويته لإدراك المطلع ، فيكون معناه أنني أريت الكثرة في رأي العين ، وما رأيتها من أجل الهوية المفنية . وقوله : أريت يريد به أن الرؤية بفعل فاعل مريد من خارج وهو نزع الاختيار ، فكأنه قال : لما هيئت للرأي بإرادة اللّه تعالى ، لم أر شيئا من أجل استهلاك الهوية لحقائق الأشياء ولحقيقتي أيضا ، ولهذا قال : ما رأيت . وقوله : ( وأفناني في حضرة الهوية ) بإبراز هذا الكتاب يريد به عدم فناء الإدراك