ست العجم بنت النفيس البغدادية
54
شرح مشاهد الأسرار القدسية ومطالع الأنوار الإلهية
الثنوية عاريا بإطلاقه عن التمييز ، فلا يطلق الحمد على غيره إذ لا شريك له يكون مستعليا عليه ، ولا يجب عليه الحمد إلا لنفسه ، لأنه عادم لتعظيم الغير من أجل براءة المماثل ، فلما لفظ هذا الشاهد بالحمد لزم منه إثبات حامد ومحمود ، وقد يختص الحامد نفسه على المحمود بالدخول تحت الحكم ، فأظهر هذا الشاهد حقيقة خصوصية بقوله : حمد آنيّة ونفى الهوية لأنها عارية عن الإثنينية كما قلنا ، فلو قال الحمد لي اضطر إلى أن يقول : حمد هوية فلما قال : الحمد للّه ولزم منه الثنوية ، قال : حمد آنية ، فكأنه قال : الحمد للّه حمد مختص بالعبودية الواجبة بالتكثر لا حمد رب مختص بالهوية مستهلك لحقائق العباد ، فلفظ بالآنية لإثبات الجزئية بلفظ يشترط فيه الخصوص ليوجب الحمد على نفسه ونفى الهوية لأجل التمكين الواجب بالتفرد ، فيبقى الحقائق المكثرة التي يشترط فيها وجود حامد ومحمود ، وإن كان قد حمد هذا المتفرد نفسه بقوله على لسان عبده سمع اللّه لمن حمده ، فإنه من مراد الرب لعراء العبد عن الاختيار ، وأيضا لإثبات طاعته ، وهذا حمد الهوية وحمد الآنية هو مراد اللّه بعينه لكن يقترن به اختيار العبد من حيث إعطاء لفظ الآنية ويصحب الاختيار عموم التجزؤ ، فالحاصل من قوله : ( هذا حمد ) متجزئ لا حمدا واحد لنفسه قوله : ( حمدا منزها عن النماء موجودا قبل الماء مستعليا عن الصفات والأسماء ) لأن قوله حمدا تكرار ، وفائدته تأكيد الحمد الذي سبق ذكره ، فقوله حمدا منزها يباين في الكمال حمد الآنية لأن الآنية تتضمن المثل والتنزيه يبرأ عن هذا التضمن ، فبدأ بالحمد مضافا إلى الآنية وكرره مضافا إلى التنزيه فالتزم إظهار حقيقته التي كانت موجودة في العلم وهي حامدة ، ولهذا قال : ( موجودا قبل الماء ) . وقوله : ( منزها عن النماء ) أي : حمدا كاملا مستديرا لا يفتقر إلى الزيادة الموري عنها بالنماء لأجل تمامه ولا إلى التثنية من أجل الكمال ، واستدارته يستصحب كماله لعراء الدائرة عن التجزؤ ، فالتنزيه مقابل للتجزؤ كتنزيه الدائرة عن الفروج ، ولفظه بالتنزيه إعلام منه أنه لا سبيل للتجزؤ المنوط بالنمو على كمال هذا الأحدي ووصفنا له بالاستدارة لأجل أن الزمان قد التحق أوله بآخره في الحديث المروي ، فقوله : موجود قبل الماء لأن آخر الزمان قد عطف على أوله بإطلاعنا على ما كان قبل الكون عند وجود الماء ، فابتدأ الخلق من حين وجود الماء والاستدارة هي اتحاد الفاتحة بالخاتمة ، ليطلع اللاحق على السابق ، ويفهم أنه كان موجودا عن أول موجود لجذب المناسبة الجاعلة للأول آخرا حتى يصدق عليه اسم الكمال المستدير السرمدي .