ست العجم بنت النفيس البغدادية
407
شرح مشاهد الأسرار القدسية ومطالع الأنوار الإلهية
معدة لقبول الصور ، كذلك ليس كل من سلك هذا الطريق يكشف له ، قد يدخر له إلى يوم القيامة أعني قيامته ، كما تدخر المرآة المحسوسة ليوم ما وإلا لأي معنى صقلت ، أو لأي فائدة وجدت ، لكن يلوح لها بوارق من المطلوب ، وإن كانت لا تخلي عن صورة ، لكن الصور التي قصدنا في هذا الباب صور مخصوصة انفردت بها مرآة أهل الحقائق ، فإذا رقيت إلى هذه المنازل ، واطلعت على هذه المقامات صارت الغيوب مشاهدة في حقك ، أعني غيوب ما بطن في ظاهر علوم الدين ، لا في يجيء فلان وزني فلان ، فإن تلك مكاشفات السالكين ، وإن يتشوش عليك خاطرك ، ولم ترزق الإيمان بهذا المقام ، فقد أجرى اللّه لك في ظاهر الكون مثالا ترتقي به إلى ما ذكرناه ، وهي المرآة المحسوسة تنجلي فيها صور المحسوسات على قدر صقالتها وجلائها ، وقد نبّه على ذلك سيد البشر صلى اللّه عليه وسلم حيث قال : « إن القلوب لتصدأ كما يصدأ الحديد » ، قيل : فما جلاؤها ؟ قال : « ذكر اللّه ، وتلاوة القرآن « 1 » » . فقديما نصبت الأمثال أدلة لعلوم ربانية ، فمن وقف مع المثال ضل ، ومن ارتقى عنه إلى الحقيقة اهتدى ، ثم لتعلم أن لهذا الحضرات أسرارا ظاهرة وأسرارا باطنة ، فالظاهرة لأهل الاستدراج ، والباطنة لأهل الحقائق ، فليس كل حكيم حكيما ، بل الحكيم من حكمته الحكمة ، وقيدته بالوقوف عند فصل الخطاب ، ومنعته أن ينظر إلى سوى خالقه ، ولازم المراقبة على كل أحيانه ، فليس من نطق بالحكمة ولم تظهر آثارها عليه يسمى حكيما ، فالنبي صلى اللّه عليه وسلم قد قال : « رب حامل فقه ليس بفقيه « 2 » » إنما هي أمانة عنده يؤديها إلى غيره كمثل الحمار يحمل أسفارا ، فإذا صدرت منك حكمة ، فانظرها في نفسك ، فإن كنت قد تحليت بها فأنت صاحبها ، وإن رأيت نفسك عارية عنها ، فأنت لها حامل ومسؤول عنها ، وتحقيق هذا أن تنظر إلى استقامتك على الطريق الأوضح والمنهج السديد ، والميزان الأرجح في قولك ، وفعلك ، وقلبك ، إذ الناس في الاستقامة سبعة أقسام : قسمان لهما الفضل ، والخمسة عليهم الدرك ، فمستقيم بقوله ، وفعله ، وقلبه ، ومستقيم بفعله وقلبه دون قوله ، فهذان لهما الفضل ، والأول أعلى ، ومستقيم بقوله في فعله دون قلبه
--> ( 1 ) رواه القضاعي في الشهاب ( 2 / 198 ) ، والبيهقي في الشعب ( 2 / 353 ) ، وأبو نعيم في الحلية ( 8 / 197 ) ، والخطيب في تاريخ بغداد ( 11 / 85 ) . ( 2 ) رواه أحمد في المسند ( 5 / 183 ) ، وابن أبي عاصم في الزهد ( ص 33 ) .