ست العجم بنت النفيس البغدادية

408

شرح مشاهد الأسرار القدسية ومطالع الأنوار الإلهية

يرجى له النفع بغيره ، ومستقيم بقوله وقلبه ، ومستقيم بفعله دون قوله وقلبه ، ومستقيم بقوله دون فعله وقلبه ، فهؤلاء عليهم لا لهم ، لكن بعضهم فوق بعض ولست أعني بالاستقامة في القول ترك الغيبة والنميمة وشبهها ، فإن الفعل يشمل ذلك ، وإنما نعني بالاستقامة في القول أن يرشد غيره بقوله إلى الصراط المستقيم ، وقد يكون عريا مما أرشد إليه ، فهذا نعني بالاستقامة ، ويجمع ذلك مثال واحد ، وهو رجل تفقه في أمر صلاته وحققها ، ثم علمها غيره ، فهذا مستقيم في قوله ، ثم حضر وقتها ، فأداها على حد ما علمها وحافظ على أركانها الظاهرة ، فهذا مستقيم في فعله ، ثم علم أن مراد اللّه منه في تلك الصلاة حضور قلبه لمناجاته فأحضره ، فهذا مستقيم بقلبه ، ثم احمل هذا المثال على ما بقي من الأقسام تجده واضحا إن شاء اللّه تعالى ، ثم لتعلم أن العلل التي تصدك عن الاستقامة طريق الكاملة غير منحصرة مستقرها كتاب اللّه تعالى وحديث رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فَلا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخاسِرُونَ ، وإني لك بالأمين ورسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يقول : « اللهم إني استغفرك مما علمت ومما لم أعلم « 1 » » ، فقيل له : تخاف يا رسول ، قال : وما يؤمني والقلب بين إصبعين من أصابع الرحمن يقلبه كيف شاء ، واللّه تعالى يقول : وَبَدا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ ما لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ [ الزمر : 47 ] . فالإنسان محل للتغيير قابل لكل صفة ترد عليه ، ولذلك قال بعض العارفين : لو عرضت علي الشهادة عند باب الدار ، والموت على التوحيد عند باب الحجرة لاخترت الموت على الشهادة لأني لا أدري ما يعرض لقلبي من التغيير عن التوحيد إلى باب الحجرة فكن على حذر ما دار تركيبك ، قال تعالى لموسى عليه السلام في التوراة : يا ابن آدم لا تأمن مكري حتى تجوز الصراط « 2 » فالآفات رحمك اللّه كثيرة ، والخطوب والطريق دقيق ، أرق من الشعرة وأحد من السيف لا يثبت عليه إلا أهل العناية ، فباللحظة والخطرة تزل الأقدام . ألا ترى أبا سليمان الداراني يقول : سمعت من بعض الأمراء شيئا ، فأردت أن أنكر فخفت أن يقتلني ، وما خفت من الموت ، ولكني خشيت أن يتعرض لقلبي التزين للخلق عند خروج روحي فكففت . فانظر حذرهم من الزلل مخافة الفوت ، فإن أردت أنوارهم وأسرارهم فاسلك

--> ( 1 ) رواه أبو يعلى في مسنده ( 1 / 163 ) ، وذكره العجلوني في الكشف ( 2 / 527 ) . ( 2 ) ذكره ابن رجب الحنبلي في جامع العلوم والحكم ( ص 230 ) .