ست العجم بنت النفيس البغدادية
401
شرح مشاهد الأسرار القدسية ومطالع الأنوار الإلهية
( ش ) أقول : يريد بنطقه العبودية هاهنا إظهار حقيقة خطابه في مجموع هذا الشهود ، فإنه لم يخاطب فيه إلا بالعبودية إذ هو مقتضى هذا الكشف الذي شهد فيه صورة الحجاج ، وقيام حجة الرب على العباد ، فأراد إلحاق رجوعه بخلعه فنطق بالعبودية يعرفنا أنه رجع من هذا الخلع وعاد إليه في حال شهود التجلي . وقوله : ( فتجلى لهم في صورة العلم ) ، يريد به التجلي لأهل الجنة قبل البعثة إليهم من الحي إلى الحي ليتبين العالم من الجاهل ، والشاهد المحق من المفتري ، والعارف الكامل من الناقص ، وهذا الافتراق لا يحصل إلا بالتجلي في صورة العلم ليأخذ كل واحد من هذه الأصناف نصيبه من الرؤيا ويأخذ كل واحد من الشاهدين نصيبه من العلم ، فإن لشاهد الصورة نصيبا ولصاحب الحال نصيبا ، وللمنفرد بالكمال نصيبا ، وكل من هذه الحقوق يباين الآخر سعة وقدرا ، فليس نصيب شاهد الصورة كنصيب المنفرد بكماله ، فإنه يشترط فيه أن يكون سعته تحتوي على مجموع الوجود ، وتقترن هذه السعة بالاتصاف بخلاف نصيب صاحب الصورة ، فإن غاية الرؤية وسعة نصيبه بقدر ما بينه وبين المتجلي في هذا الموطن ، وأما نصيب صاحب الحال ، فإنه بقدر ما يحتوي عليه خبثه فقط ، فهذا هو التفاضل في الرؤيا بقدر مراتب السعة المختلفة بين هذه الثلاثة أصناف ، وهذا التجلي يختص بهم حتى أن أصحاب الجنة الذين هم على غير هذه الأوصاف لا يشهدون هذا التجلي بالعلم لأن كل العلوم تفنى إلا العلم باللّه تعالى وهو الذي قام به هذه الأوصاف ، الثلاثة ، وهذا معنى قوله : ( فتفاضلت الرؤيا ) . قوله : ( وقال لي : هذه صورتك أبرز لهم فيها ) ، يشير به إلى أن صورة اللّه الظاهرة في الوجود هي صورة الكامل المنفرد ، وهذا تأييد ما ذكرناه مرارا في مضمون هذا الشرح وذلك في قولنا : إن بصورة الكامل يكون النزول في الثلث الآخر من الليل ، وهذا مثل قوله : ( أنت وجهي فابتسم ) ، فتجلى اللّه لعباده وتخوله في الصور ، والنزول في الليل لا يكون إلا في صورة الكامل ، فإذا قلنا : إن اللّه تعالى قد ظهر بالتقييد أو تقييد ويريد به ظهوره بصورة الكامل ، فعلى الحقيقة ظهور هذه الصورة هو الاتصاف بالتقييد ، وهي التي قال له عنها هذه صورتك أبرز لهم فيها ، وأشار إلى الصورة التي كان فيها التجلي ، وعرفنا بهذا الأمر أن المتجلي هاهنا هو العارف ، فإن العارفين أرباب الكمال يكونون يوم القيامة أرباب الناس ، ومجموع الكاملين رب واحد إذ لا تفاضل بينهم في الحقيقة ، بل هم مشتركون في الفناء في الذات الواحدة .