ست العجم بنت النفيس البغدادية
4
شرح مشاهد الأسرار القدسية ومطالع الأنوار الإلهية
ولم أدع من لفظها لفظا ولا حرفت لفظا علمت به وما لم أعلم ، ولا ما نقش بمسود على مبيض ، وأظهرت معانيها ولم أخف منها ما احتمل الظهور فكيف ما هو مهيأ للإيضاح متوقف على واسطة ، وحفظتها من التغير عملا بقوله تعالى : لا تَبْدِيلَ لِكَلِماتِ اللَّهِ [ يونس : 64 ] ، وأظهرت معاني كمياتها ولمياتها ومحال الشهود ، والمؤتلف ، وعينت أوقات بعض كشوفها وأعرضت عن البعض الآخر خوف التطويل ، هذا مع المبالغة في حصول المراد من إظهار أسرارها ، ولم أخف من معانيها علم اللّه سوى معنى واحد وهو لمّيّة وصفها على هذا النهج ، وإنما أخفيت ذلك لأن الشيخ رحمه اللّه تعالى قصد ذلك وعرفت مقصده فحذوت حذوه . قلت : وكتاب المشاهد القدسية من أجلى كتب سيدي محيي الدين بل من أعظمها فهو وكتاب الإنزالات الوجودية لهم طابع خاص في علو الألفاظ ، ورقي المعاني إلى أعلى الدرجات ، وقد اعتنى به بعض المشايخ منهم سيدي ابن سويدكين تلميذ سيدي محيي الدين حيث وضع شرحا لبعض معانيها وهو مخطوط بحوزتي يسر اللّه لنا تحقيقه ، وكذلك الشيخ زين العابدين بن عبد الرؤوف المناوي له شرح على المشاهد في مجلدين ، وأما شرح الست عجم فقد أثنى عليه العلماء مثل الشيخ الشعراني رضي الله عنه والشيخ مصطفى البكري رضي الله عنه ومدحه مدحا طيبا في كتابه السيوف الحداد ، وإنما كان ذلك لدفع شبهة الاتحاد والحلول وقضية وحدة الوجود ، لمن يظن أن في هذه الألفاظ ومثل هذه المشاهدات وما كان على منوالها من ألفاظ الحقائق أنها يقصد بها هذه الأمور التي يرفضها ويذمها سيدي محيي الدين بن عربي كما في كتابه الفتوحات المكية آخر المنزل التاسع ، وغير ذلك في مواضع من رسائله العصماء . ولذلك نقول : إن وحدة الشهود ووحدة الوجود يدعي الزنادقة أنهم لا يشهدون إلا اللّه ولا يثبتون كثرة أصلا ، ويزعمون أن وجوده المقدر المفروض المحدود ووجود هذه من أشياء من حيث هي أشياء مقدرة مفروضة ، وهي وجود الحق تعالى ، ولذلك دعا العلماء إلى تجنب التمسك بالألفاظ الموهمة بالاتحاد مثل الأنانيات : أنا الحق ، أنا هو وهو أنا وغيرها ، لأنها عبارات وقتية يتركها العارف عند الصحو ، وإن مراد أهل الحق إذا ما قالوا : ما في الوجود إلا اللّه مثلا ، فمرادهم من حيث القيومية ، فإن به تعالى قيام كل شيء وهو القائم على كل نفس بما كسبت من حيث تجليه وإمداده فالمدد والتجلي الإلهي هما السبب في القول بوحدة الوجود ، وهذا يدرك ذوقا ، وتختلف فيه المشاهد والأذواق : من