ست العجم بنت النفيس البغدادية
379
شرح مشاهد الأسرار القدسية ومطالع الأنوار الإلهية
الموضوع على الماء ، بل من قبل الماء ، ولا يمكن أن يكون شاهده إلا كاملا متصفا بمجموع الوجود حتى يشهد محل نشأة العمد ونهايته وحقيقته ، فإنه أشبه الأشياء بالنقطة ، ولهذا كان في الحقيقة مركزا ، ويجب أن يكون الشاهد له إن كانت مرآة الوجود في آن الشهود ظاهرة بالتربيع في الوجه الذي يلي الوجود أماما لئلا يكون ناظرا إلى العدم ، لأن في حال الشهود العمد يكون الوجود والعدم مجتمعان في حقيقة الشاهد ولا يفتقر إلى الاطلاع على الخلاف الذي هو الوراء ، لأنه محل العدم وهذا قد وقع لهذا الشاهد ، وهو محمول على الأسماء والصفات والحد المشترك بين الحضرات كلها لأن من شروط شهوده أن يكون الشاهد محمولا على هذه الحضرات وليس بينه وبين اللّه تعالى حجاب ولا حد ولا اسم سوى النور وهو بعينه المميز للعهد في قوله : ( بمشهد نور العمد ) ، فعند إلقائه للجسد قد أخذ إلى جهة الاستعلاء في صورة الانحطاط ، لأننا قلنا : إنه مستودعا على العرش المائي ، وهذا العرش هو سفلي الوجود ، وقلنا أيضا : إنه محمول على الحضرات ، والمحمول هو المنزه ، وقد يكون عند حمله مستويا على مجموع الوجود ، وهذا الاستواء في صورة الاستعلاء ، فوجب عند إلقاء جسده قد أخذ في الاستعلاء بصورة الانحطاط ليحوز الجهتين ، أعني العلوية والسفلية ، وهذا خاص بشهود العمد حتى يشهد متميزا محققا ، ولهذا قلنا : إن هذا الشهود لا يكون إلا للكامل المحيط بكل شيء علما وعملا ، لأن المشهود أعني العمد لا يشهد إلا للمتصف بالنور ، ومتى اتصف الشاهد بالنور قدر على التمييز ، ومنه تمييز المعاني والفرق بينها وبين وضعها في محلها من القابلية لئلا يكون لفظة متسعة المعنى قد أحاط بها محل ضيق ، وذلك ليس من العدل لقوله تعالى : إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْناهُ بِقَدَرٍ [ القمر : 49 ] ، وهذه الفروق والنسب والأوضاع لا يعطيها العارف إلا بعد اتصافه بالنور ، فوجب تمييز المنفردات ومن جملتها العمد ، وكل متميز مشهود له عيانا وغير المتميزات إدراكا ، ولما كان في حال هذا الشهود مستويا على العرش المائي وجب أن يشهد من المتميزات المخصوصة بالتفرد سوى العمد ، إذ لم يكن بينه وبين اللّه تعالى من الصفات والأسماء . وقوله : ( وطلوع نجم الفردانية ) يريد به النور الممكن لاتصافه بهذا الشهود ، ولما كان العمد من جملة الأشياء المنفردة ، وجب أن يكون طالعه نجم الفردانية لأن نور الطالع لطيفة منتزع من نور الشهود ، لكن قد يسوغ لنا تسمية هذه اللطيفة ، وقد لا نسميها إلا في بعض الشهود وهو شهود يضطر فيه اضطرارا مثل هذا الشهود ، ومثل شهود نور