ست العجم بنت النفيس البغدادية

371

شرح مشاهد الأسرار القدسية ومطالع الأنوار الإلهية

قوله : ( ولولا الأحدية ما عرفتني ) أي : لولا حجابك عن الجهل لما فنيت في ذاتي ولا حصل لك الاتصاف بأوصافها . قوله : ( وما عرفتني قط ) يشير به إلى آن انفصال التجلي الأحدي ، فإنه من حين هذا الانفصال لا يعود يصدق على الشاهد العلم لأنه يقتضي معلوما وهو متصف بالعلم والمعلوم ، والإحاطة حقيقة واحدة ، فليس هناك علم ومعلوم متمايزين ، وفيه إشارة إلى قولهم رحمهم اللّه : « من عرف نفسه فقد عرف ربه » ، فالعارف يعرف حقيقة نفسه فقط متصفا بالأحدية ولا يبقى هناك ثان يعود معروفا لعارف . ( ص ) [ قوله : ( ثم قال لي : لا توحّد فتكون نصرانيا ، وإن آمنت كنت مقلدا ، وإن أسلمت كنت منافقا وإن أشركت كنت مجوسيا ) ] . ( ش ) أقول : يريد بهذا الخطاب نفي المزاج في حكم التوحيد ، فإنه ليس توحيد الحق كتوحيد النصارى فإنهم يعنون ثلاث صور معنوية ويدخلون عليها كيفية في صورة المزاج فيجعلونها واحدا ، وليس توحيد الحق كذلك ، وإنما هو رد إلى أصل واطلاع على خفاء وإظهار في صورة رجوع إلى عدم وخلوص من جهل إلى علم وحجاب بأحدية عن تكثر ، كما قال : وكل هذه صفات عائدة على المبدأ ، ونحن من حيث أننا شاهدون لا نمازج ولا نكيّف ولا نجعل واحدا لكننا نعلم واحديتها في الحقيقة بأدلة الرسل ، ويتصف بذلك الواحد كما كنّا عليه أولا في العلم ، والأصل فيه رجوع من وجود هو عدم إلى عدم هو وجود على الإطلاق بغير كيفية ولا لمية ولا همة طلب هكذا وجدته أنا ، فإذا اتصف الشاهد بهذا الاتصاف الذي ذكرنا يعود موحدا في الحقيقة ، لأن الموحد فيها عبارة عمن يجعل أشياء متعددة واحدة ، ونحن لا نجعل ، فلسنا موحّدين ولكن موحّدين يجعل اللّه لنا فانين ، وفي مثل هذا قال إمام هذه الطائفة أبو القاسم الجنيد رحمه اللّه منشدا : ما وحد الواحد واحد * إذ كل من وحده جاحد فمن حين جعل العارف واحدا متصفا بالأحدية انتفى عنه جعل الأشياء ، وقد قلنا من الموحد . قوله : ( وإن آمنت كنت مقلدا ) يشير به إلى الإيمان بالمعرفة تقليدا ، فإن العارف بالتقليد لا يطلق عليه اسم العارف حقيقة لأنه ليس متصفا لكنه عالم من جمله علماء الرسوم ، فكأنه نبّه في هذا الخطاب في صورة تحذير لئلا يأخذ المعرفة تقليدا ومجموع هذا الخطاب مما حصل له قبل الكمال من قوله : ( لا توحّد ) إلى قوله : ( كنت مجوسيا ) .