ست العجم بنت النفيس البغدادية

372

شرح مشاهد الأسرار القدسية ومطالع الأنوار الإلهية

وقوله : ( وإن أسلمت كنت منافقا ) يريد به التنبيه على أخذ هذه المعرفة تقليدا ، فإن المسلم إلى المدعين يجوز أن يكون منافقا لأنه لا تحقيق عنده يكون يقينا قلبيا ، وإنما هو سماع وتسليم ظاهر لا إصغاء حقيقي ، لأنه لا يكون محققا إلّا من شهد الحقيقة من حيث هي وهذا سامع مقلد ، فلا يبعد أن يكون بتسليمه منافقا إذ لا حقيقة عنده ، وهذه كلها صفات تباين المراد للكمال ، وقد يحذر منها إن كان دائم الشهود الصوري كهذا الشاهد قبل الكمال ، فإنه قد كان شاهد الصورة دائما ، وكذلك قوله : ( وإن أشركت كنت مجوسيا ) ويريد به النهر عن إثبات الثنوية التي عليها تبنى قاعدة المجوسية إذ شيمتهم الشرك ، وهذا الشاهد مراد للاتصاف بالأحدية المباينة للثنوية ، وهذه الأوصاف المذكورة كلها ، فقبل الاتصاف بها تخوف منها اضطرارا إذا كان دائم الخطاب . ( ص ) [ قوله : ( ثم قال لي : اللذات في المطاعم ، والمطاعم في الثمر ، والثمر في الأغصان والأغصان تتفرع من الأصل ، والأصل واحد ، ولولا الأرض ما ثبت الأصل ، ولولا الأصل ما كان الفرع ، ولولا الفرع ما كان الثمر ) ] . ( ش ) أقول : معنى هذا الخطاب ظاهر ، وفيه إشارة إلى أحدية الوجود وارتباط بعضه ببعض ، وافتقار البعض إلى البعض ، فإنه إذا اتصف الكامل بهذه الأحدية وصفا عرف أن كل شيء من ذاته مفتقر إلى غيره ولأجل هذا الاتصاف قال : إن ( اللذات في المطاعم ) يشير فيه إلى الذوق لأن الاتصاف يشبه الذوق لأنه ليس الناطق بالنار كالوالج فيها ، فإن الوالج متصف والناطق عالم ، فيريد بهذا أن أحدية الوجود لا تؤخذ إلا اتصافا وذوقا من مفيض إلى مفاض عليه وشربا ذاتيا جاذبا قابلا للفيض ، فإذا اتصفت جوارح الكامل بهذه الأوصاف عاد معطيا كلا من جوارحه حقه ، ومظهرا ما ينبغي ظهوره ومخفيا لما ينبغي خفاؤه ، ومستلذا لما ينبغي استلذاذه ، وكل هذا بعد المعرفة والاتصاف بالموجودات المفتقرة بعضها إلى بعض والحياة الواحدة السارية في الوجود المتكثر مثل قوله : ( اللذات في المطاعم ) مشيرا به إلى الذوق . وقوله : ( والمطاعم في الثمر ) يشير به إلى ذائق وذوق ومذاق ، فالذائق المتصف والمذاق هو الثمر والذوق هي الكيفية التي يتكيف بها الذائق عند المزاج الحاصل آن الأكل . قوله : ( والثمر في الأغصان ) يشير به إلى افتقار هذا الفرع المذاق إلى واسطة تستمد بها الحياة .