ست العجم بنت النفيس البغدادية

105

شرح مشاهد الأسرار القدسية ومطالع الأنوار الإلهية

ليس في الوجود سواه ، فالمدرك من الكثرة مظاهر وشؤون ، وإن دققنا البحث ، فنقول : إنه اطلاع في العلم وتطورات الإرادات ، وتحول الحق « 1 » في ذوات الشؤون وأظلال الإرادات ، فكما قلنا في كتاب الختم : إن ظهر لنفسه وإن بطن فيها . فقوله : ( نفسي أخذت ) معناه أنه لا تظن أن المتفرقات غيري ، فإذا أخذت شيئا منها فلا تظن أنني أخذت مفترقا مباينا ، وإنما كان جمعا وجمعته أيضا جمعا ثانيا ، فباختلاف الجمع ظن الجاهل أنه كان شيئا خارجا ثم أخذته ، أو ظاهرا فأبطنته وليس هذا صفتي إذ أنا واحد لا ثاني لي أحدي لا تمايز في ذاتي لا تكثر في ، وموجب عبارة الأخذ أنه لمّا تيقن الجاهل بالتجزؤ واشترطنا في التجزؤ يقين البعد ، وشاهد الجاهل أن مثله قد كمل واتصف بالفناء ، وجب أن نفسي أخذت لئلا يظن الجاهل أن شهوده للكثرة حق ، وورود هذا الخطاب كالتذكير مثل تعجب الرب من الشاب ، ليست له صبوة ، فيرد هذا الخطاب في هذا الشهود لتذكير الشاهد بما كان عليه قبل الأخذ من إرادة كمال الجهل ، فإنه كان يطلق عليه الجهل وليس كاملا فيه ، فكأنه قال للشاهد إن كان صدقت عليك الشيئية قبل ، فنفسي أخذت فلا يظن أنك كنت شيئا منفردا . ( ص ) [ قوله : ( ثم قال لي : انظر إلى الجماد ، وخذ تسبيحه ، فذاك جوابهم يتلى ، ثم قال لي : إن حجبتك بالأخذ تعذبت عذاب الآباد في النعيم المقيم ) ] . ( ش ) أقول : إن معنى هذا التنزّل يشبه معنى قوله : نفسي أخذت ولا خلاف بينهما لأنه وراء هناك ، بأنه لا شيء زائد على ذاته ، فلذاته أن يظهر ولنفسه يأخذ وأشار في هذا الخطاب الآخر بأنه لا عبارة ولا إشارة إذ العبارة لا تكون إلا بين اثنين وهو بريء عن الثنوية فلا عبارة في ذاته من حيث هي ولا إشارة لأن الإشارة تكون إما استعانة ، وإما افتقار واللّه تعالى كامل في قدرته لا يضطر إلى الاستعانة وغني ما جديته الكاملة فلا افتقار له ، ومراد الرب من خلق العباد ظهور الاسم ، فلما خلق العباد متجزئين مفتقرين إلى التقويم من أجل التجزؤ ، فحين ظهور الاسم المقوم بالأمور المخوّفة أنذر بالربوبية المخوّفة إذ حكمها يلزم التجزؤ اضطرارا ، فلما وجب هذا الإنذار باستمداد من اللطف

--> ( 1 ) الحق : ما وجب على العبد من جانب اللّه تعالى ، فيما أمره به ، ونهاه عنه وأوجب الحق على نفسه كما قال اللّه تعالى : كَتَبَ عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ [ الأنعام : 12 ] ، وهي الرحمة المختصة بأهل الإيمان ، فإن حظهم من الوجود ما قيده الاسم الهادي .