ست العجم بنت النفيس البغدادية

106

شرح مشاهد الأسرار القدسية ومطالع الأنوار الإلهية

لئلا يقع النفور ، فقال المنذر : لست حاكما ولا مجدد حكم ، لكنني مذكر لحكم منسي ، وهو أخذ العهد على الأشياء في الأزل ، فلما سمع الشاهد في حال جهله قبل اطلاعه على الحقيقة من حيث هي لام نفسه من أجل هذا النسيان الطارئ ، وتيقن من أجل التقليد والتبعية أنه لم يصل إلى غاية التذكير ذي العهد الذي قيل له : إنه محكوم عليك به ، فعند كمال هذا الشاهد بالطلاعه على الحقيقة المذكورة وعلمه بتحقيق الأمر على ما هو تيقن أنه لا قائل ولا سامع إذ الخطاب إما استعانة وإما افتقار كما ذكرناه ، فقيل له : انظر إلى الجماد وخذ تسبيحه ، كأنه قال الخطاب في الأزل كتسبيح الجماد هنا ، فإن أدرك هذا التسبيح إلى حد الظهور فيتيقن السامع أن العهد كما ذكر ، وإن لم يظهر كهذا التسبيح ، فالشاهد يقطع أنه لا خطاب كما ذكرنا . وقوله : ( ثم قال لي : إن حجبتك بالأخذ تعذبت عذاب الآباد في النعيم المقيم ) أقول : إن قوله هذا يؤذن بالإطلاق والصرف الذي هو تقييد بالنسبة إلى العبارة ، فإن الأخذ هو المحو ويعبر عنه أيضا بالوقفة ، فمادام فيه يحصل له العذاب الذي ووري عنه بالعذوبة ، وإلّا لو أراد العذاب المؤلم لكان مضادا للأخذ إذ لا معنى للأخذ إلا الوقوف في حضرة الهوية ، فالهوية يشهد صفاتها في هذه الحضرة ، وكل مشهود شاهد فيها أيضا إذ لا معنى لشيء دون شيء ، فالشاهد بالنسبة إلى التجزؤ معذب لعرائه عنه ، وهذا العذاب الذي ذكره ووري عنه بالعذوبة فقد ذكرناه أيضا في كتاب الختم حيث قلنا العذاب عذب ومن حيث اتصافه بالأحدية التي هي اسم للهوية هو منعم نعيما مقيما إذ الهوية للّه ، واللّه برئ عن العذاب بكلا معنييه ، ففي حال الأخذ يتصف المأخوذ بالهوية التي لا عذاب فيها ولا نعيم ، فكأنه قال له : لو وقفت على هذا الشهود الموري عنه بالأخذ ووقفت عنده لتعذبت عذاب الآباد لبراءتك عن التجزؤ ، وهذا الخطاب قد ورد بعد الشهود المعّبر عنه بالأخذ بلا زمان لأنه قد أطلق عليه الحضور بلفظه ( أن ) فدلنا على أن كونه بعد كون الشهود بلا زمان وهو قبل الكمال ، ولهذا قال له : ( إن حجبتك بالأخذ ) ، والحاصل منه إن لم أوقفك على الكمال الحقيقي لتعذب عذاب الآباد في النعيم المقيم ، وهذا عذاب غير مؤلم لأنه مشتق من اسمه . ( ص ) [ قوله : ( ثم قال لي : ما أخذ إلا من قلت : وما أفلت إلا مملوك ، وما ملك إلا مقهور ، وما قهر إلا محصور لي ، وما حصر إلا محدث ، وما حدث إلا عدم ) ] . ( ش ) أقول : إن قوله : ( ما أخذ إلا من قلت ) ، يريد به تمكين هذا الشاهد في كماله