ست العجم بنت النفيس البغدادية

101

شرح مشاهد الأسرار القدسية ومطالع الأنوار الإلهية

جهة ، وإن كان فيها تمايز على رأيهم الفاسد فهو بطور علم هذا الوجد ، وأظلاله مدركة له ، فلا يغير على هذا الأظلال إذ الظل والمظل واحد على زعمهم السخيف ، وأما عندنا فلا ظل ولا مظل ، وأما نفيه للرجعة فلأنها إذا ثبتت الأحدية عندنا ، فالواحد الأول له ولا آخر ولا مبتدأ ولا رجعة له ، إذ لا أولية ينشأ عنها ومع ثبوت الكثرة على زعمهم ، فنقول : إنها أظلال العلم والتطور كما ذكرناه ، وهذا العلم لا يزيد في حقيقة العالم به ، إذ لا جسم له ومن لم يكن له جسم فلا تغير له ولا تحول ولا معنى للرجعة إلا تغير متقهقر ولا حقيقة له إلا من حيث اسمه ، وأما نفيه للعدم فظاهر إذ لا عدم . فإن قيل : إننا نتعقل عدم وجودنا في زمان ، فنقول : إن المفهوم من هذا الكلام هو عدم اسم وجودك ، وإذ وجدت فانتفى عدم وجودك ، فإن قلت : ارجع إلى ما كنت عليه فهو الرجعة المذكورة ، وقد أبطلناه فلا رجعة وكل ما يلزم من قوله : ( تجدني ولا تأخذني وآخذك ولا أجدك ) ، وقوله : ( آخذك ولا أجدك ) معناه أن الهوية إذا استهلكت حقيقة هذا الجزء فيطلق عليه الأخذ من حيث الجزئية ولا يجده من حيث الفناء ، فان فهو فان فكيف يؤخذ ؟ فنقول : إن هذا المؤدي لنظركم الفاسد يقصد إثباته لئلا يحرمكم الدنيا والآخرة ، فإن الدنيا هي التجزؤ والآخرة فنائه ، ولا معنى للآخرة إلا البقاء ، قال اللّه تعالى : ما عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ وَما عِنْدَ اللَّهِ باقٍ [ النحل : 96 ] ، وقال تعالى : وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوانُ [ العنكبوت : 64 ] . فقوله : ( آخذك ولا أجدك ) فالأخذ لا يكون إلا في حال التمايز ، فإذا انتفى هذا التمايز فلا يوجد هذا المأخوذ ، وأيضا ، فإن الآخذ اللّه والمأخوذ هم العباد والرب لا يصير عبدا لكن العبد يفنى في أوصاف الربوبية ، وهذا معنى قوله : ( تجدني ولا تأخذني ) معناه أخذ الرب للعبد ( وآخذك ولا أجدك ) معناه أن الأخذ لائق بالعبد ، فإذا فني في الهوية فلا تجده . وقوله : ( ثم قال لي : لا آخذك ولا أجدك ) أقول : معنى هذا التنزل يؤيد ما ذكرناه من نفي الرجعة والعدم ، فإن الموجود واحد صمد ، فبأحديته لا ثاني له وبصمدانيته لا تمايز فيه ، فإذا برء هذا الواحد عن التمييز لم يبق للكثرة حقيقة فلا آتيا ولا راجعا ، وإن أثبتنا الكثرة في اختلال نظرهم ، فقد قلنا : إنها أظلال العلم يتطور اللّه في علمه كيف شاء ويدرك التطور لنفسه ، فالواحد صمد على حاله في حالتي نظرنا ونظرهم ( فلا أخذ ) ولا وجود ، وإن لم تتحقق الكثرة ، فلا يصدق عليها الأخذ .