ست العجم بنت النفيس البغدادية
102
شرح مشاهد الأسرار القدسية ومطالع الأنوار الإلهية
فقوله : ( لا آخذك ) نفي الكثرة ( ولا أجدك ) نفي الأخذ . وقوله : ( ثم قال لي : أجدك ولا آخذك ) أقول : معناه يقين الجاهل بجهله ، فإن الجاهل متيقن في نفسه بالجزئية وجزئيته عندنا فانية ، ويستمد هذا الوجود من عند اللّه فكما لا تجد اللّه للجاهل حقيقة إلا فانية ، فوجودنا له يستمد من هذا الوجود الإلهي ، فيوجد فناؤه ولا يوجد حقيقته ، فإن قيل : إنه لا يوجد فناء إلا بعد حقيقة ، فنقول له : هذا عين تحقيق جهله عليه إذ كمال الواحد يقتضي وجود عالم وجاهل ويضطر إلى تيقن الجاهل بجهله ، فنقول له : فناؤك وحقيقتك وليس لهذا القول حقيقة ، لكنه تحقيق جهله عليه فقط . ( ص ) [ قوله : ( ثم قال لي : إنما كان الأخذ من ورائك ، ولو كان من أمامك ما ضل أحد ، ثم قال لي : ظهرت في الأخذ وخفيت في الترك ) ] . ( ش ) أقول : إن هذا التنزل موهم في ظاهره بالرجعة لأن الرجعة عود إلى الأولية ، وليس يحمل هذا التنزل على ما يتوهم منه إذ تيقنا الرجعة قبل هذا ، ونعود هذا إلى زيادة البيان ، إذ هو مكان لائق بذلك والعلة في وروده على هذا النسق ، لأنه ختم له المشهد السابق بإعلام الأخذ ، وقيل له : لو اطلعت عليه ، فتنزل هذا بعد وقوعه على صورة الأخذ وكيفيته ، وأريد له في هذا الخطاب الوقوف على كمية الأخذ ، فقيل له : إنما كان الأخذ من ورائك ، فورد في ظاهره موهما لما قلناه حيث ذكر الأخذ من ورائه ، فنقول : إن مراده بهذا الأخذ الفناء وهو المحو الذي يعبر عنه ، فوجود شخصية هذا الشاهد لم تتزيد الذات على ما كانت ولا شيء ، وبفنائه لم يزد إطلاقها وهو الآن على ما عليه كان ، فإذا وجدت عليه صورة شخصية في رأي الناظرين يكون مظهرا كما قررناه أو صفة أو شأنا ، أو تطورا في العلم ، فيدرك ظلمه ولنا في هذا مذاهب فيريد الفاعل اطلاع هذه الصورة على حقيقة ذاته ، وهذا الاطلاع لا يكون إلا بفناء الصورة المذكورة ، وصورة هذا الفناء التحاق هذا الفاني بالفاعل ، فيجب الأخذ كما قرره عند هذه الإرادة ، فيجذب الفاعل هذه الصورة من ورائها ، لأن مبتدأ إنشاءها من الأولية والمظاهر بعضها عن بعض ، فالسابق إلينا منها أمام ، والمتأخر عنها وراء إلى جهة الأولية ، فمن لم يوجد من المظاهر بالنسبة إلينا هو في العلم الموصوف بالأولية ، ومن ظهر سميناه إماما بالنسبة إلى من لم يظهر ، والمراد من هذا الشخص كما قررنا التحاقه بالهوية والهوية من ورائنا بالنسبة إلى ظهورنا لأننا قلنا : إن من لم يظهر ، فهو في العلم الموصوف بالأولية ، والأولية وراءها كما تقرر ، فوجب أن يكون الأخذ المراد للالتحاق بالهوية إلى خلاف ، لأن الأولية وصف للهوية ، والهوية بالنسبة إلى ظهورنا وراء ، فوجب أن يكون الأخذ من ورائنا أعني الأخذ الموهم للرجعة ، وأما عندنا فالأخذ الفناء ، فنحن مشتركون في اسمه لكننا نعلم حقيقته وهم لا يشعرون ، فيتوهمون أنه