أبي العباس أحمد زروق الفاسي

118

قواعد التصوف

ثم اختلفت أغراض « 1 » الحاسدين ومقاصدهم . فلا ينسب حاسد العامة لمثله في السوق ونحوه ، إلا الخيانة والغش ونحو ذلك ، ولا حاسد الجند إلا عدم الاحترام ، وقلة القيام بالحقوق ونحوه ، ولا حاسد الفقهاء إلا الكفر والضلال ونحوه ليتلف ذاته . وفضيلتها المستدامة بدعوى ما يتلفها ويستدام ولا حاسد الفقراء ، إلا وجود الحيل والمخادعات وأنه صاحب ناموس ونحوه إلى غير ذلك مما يطول ذكره ، فافهم . ( 186 ) قاعدة دفع الشر بمثله ، مشين لما هو أعظم منه عند ذوي النفوس . فلزم الدفع بالتي هي أحسن لمن يقبل الإحسان كما أدبنا اللّه عز وجل به : وَلا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَداوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ ( 34 ) « 2 » ، ولكن لا يستعمله إلا صادق ، خلا من حظ نفسه ، فحصل له أعظم حظ عند ربه كما قال اللّه عز وجل . ثم استفزه غضب ، فالاستدراك مأمور به : وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ( 200 ) « 3 » الآية . ومن لا يقبل الإحسان فمقابلته بالإعراض عنه ، خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجاهِلِينَ ( 199 ) « 4 » إلى غير ذلك ، فافهم . ( 187 ) قاعدة التأديب عند تعين الحق ، إما لحفظ النظام ، أو لوجود الرحمة في حق من أقيم عليه ، أو بسببه حتى لا يجني ولا يجنى عليه . فإقامة الحدود والجهاد رحمة لنا ، وقصدا لدخولهم في الرحمة معنا وجناية عليهم بسبب مفارقتنا . فبأي وجه قصد صح ، إذ الكل داع لإعلاء كلمة اللّه وإقامة دينه وحفظ نظام الإسلام . قال اللّه تعالى : وَقاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَلا عُدْوانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ ( 193 ) « 5 » . فاعتبر المالكية ما فيه من رحمتنا ورحمتهم فبوّبوا له في العبادات ، واعتبره

--> ( 1 ) في ب : طرق . ( 2 ) سورة فصلت ، الآية : 34 . ( 3 ) سورة الأعراف ، الآية : 200 . ( 4 ) سورة الأعراف ، الآية : 199 . قوله تعالى : خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجاهِلِينَ . ( 5 ) سورة البقرة ، الآية : 193 .