عبد الرحمن جامي

23

شرح الجامي على فصوص الحكم

تعثر عليها الأفكار ولا الضمائر إلّا بوهب ، ألا هي وجود رحمانيّ لمن اعتنى اللّه به من عباده ، وسبق له ذلك بحضرة أشهاده ، فعلم حين أعلم أن الألوهة أعطت هذا التقسيم ، وأنه من رقائق القديم ، فسبحان من لا فاعل سواه ، ولا موجود لنفسه إلّا إياه وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَما تَعْمَلُونَ ( 96 ) [ الصافات : 96 ] و لا يُسْئَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْئَلُونَ ( 23 ) [ الأنبياء : 23 ] ، فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبالِغَةُ فَلَوْ شاءَ لَهَداكُمْ أَجْمَعِينَ ( 149 ) [ الأنعام : 149 ] . الشهادة الثانية : وكما أشهدت اللّه وملائكته وجميع خلقه وإياكم على نفسي بتوحيده ، فكذلك أشهده سبحانه وملائكته وجميع خلقه وإياكم على نفسي بالإيمان بمن اصطفاه واختاره واجتباه من وجوده ، ذلك سيدنا محمد صلى اللّه عليه وسلم الذي أرسله إلى جميع الناس كافة بشيرا ونذيرا ، وداعيا إلى اللّه بإذنه وسراجا منيرا ، فبلغ صلى اللّه عليه وسلم ما أنزل من ربّه إليه وأدّى أمانته ، ونصح أمته ، ووقف في حجة وداعه على كل من حضر من أتباعه ، فخطب وذكر ، وخوّف وحذر ، وبشّر وأنذر ، ووعد وأوعد ، وأمطر وأرعد ، وما خصّ بذلك التذكير أحدا من أحد عن إذن الواحد الصمد ، ثم قال : « ألا هل بلّغت ؟ » فقالوا : بلغت يا رسول اللّه ، فقال صلى اللّه عليه وسلم : « اللّهمّ اشهد » . وإني مؤمن بكل ما جاء به صلى اللّه عليه وسلم ممّا علمت وما لم أعلم ، فممّا جاء به فقرّر أن الموت عن أجل مسمّى عند اللّه إذا جاء لا يؤخّر ، فأنا مؤمن بهذا إيمانا لا ريب فيه ولا شك ، كما آمنت وأقررت أن سؤال فتاني القبر حق ، وعذاب القبر حق ، وبعث الأجساد من القبور حق ، والعرض على اللّه تعالى حق ، والحوض حق ، والميزان حق ، وتطاير الصحف حق ، والصراط حق ، والجنة حق ، والنار حق ، وفريقا في الجنة وفريقا في النار حق ، وكرب ذلك اليوم حق على طائفة وطائفة أخرى لا يحزنهم الفزع الأكبر وشفاعة الملائكة والنبيين والمؤمنين ، وإخراج أرحم الراحمين بعد الشفاعة من النار من شاء حق ، وجماعة من أهل الكبائر المؤمنين يدخلون جهنم ثم يخرجون منها بالشفاعة والامتنان حق ، والتأبيد للمؤمنين والموحدين في النعيم المقيم في الجنان حق ، والتأبيد لأهل النار في النار حق ، وكل ما جاءت به الكتب والرسل من عند اللّه علم أو جهل حق . فهذه شهادتي على نفسي أمانة عند كل من وصلت إليه أن يؤدّيها إذا سئلها حيثما كان ، نفعنا اللّه وإياكم بهذا الإيمان ، وثبتنا عليه عند الانتقال من هذه الدار إلى الدار الحيوان ، وأحلنا منها دار الكرامة والرضوان ، وحال بيننا وبين دار سرابيلها من القطران ، وجعلنا من العصابة التي أخذت الكتب بالإيمان ، وممّن انقلب من الحوض