عبد الرحمن جامي

24

شرح الجامي على فصوص الحكم

وهو ريان ، وثقل له الميزان ، وثبتت له على الصراط القدمان ، إنّه المنعم المحسان ، فالحمد للّه الذي هدانا لهذا وما كنّا لنهتدي لولا أن هدانا اللّه لقد جاءت رسل ربنا بالحق . اعتقاد أهل الاختصاص من أهل اللّه بين نظر وكشف الحمد للّه محير العقول في نتائج الهمم ، وصلّى اللّه على محمد وعلى آله وسلم . مسألة : أما بعد ، فإن للعقول حدا تقف عنده من حيث ما هي مفكرة لا من حيث ما هي قابلة ، فنقول في الأمر الذي يستحيل عقلا قد لا يستحيل نسبة إلهية ، كما نقول فيما يجوز عقلا قد يستحيل نسبة إلهية . مسألة : أية مناسبة بين الحق الواجب الوجود بذاته وبين الممكن وإن كان واجبا به عند من يقول بذلك لاقتضاء الذات أو لاقتضاء العلم ، ومآخذها الفكرية إنما تقوم صحيحة من البراهين الوجودية ، ولا بدّ بين الدليل والمدلول والبرهان والمبرهن عليه من وجه به يكون التعلّق له نسبة إلى الدليل ونسبة إلى المدلول عليه بذلك الدليل ، ولولا ذلك الوجه ما وصل دالّ إلى مدلول دليله أبدا ، فلا يصح أن يجتمع الخلق والحق في وجه أبدا من حيث الذات ، لكن من حيث إنّ هذه الذات منعوتة الألوهة فهذا حكم آخر تستقل العقول بإدراكه ، وكل ما يستقل العقل بإدراكه عندنا يمكن أن يتقدم العلم به على شهوده ، وذات الحق تعالى بائنة عن هذا الحكم فإن شهودها يتقدم على العلم بها بل تشهد ولا تعلم ، كما أن الألوهة تعلم ولا تشهد والذات تقابلها ، وكم من عاقل ممن يدعي العقل الرصين من العلماء النظار يقول إنه حصل على معرفة الذات من حيث النظر الفكريّ وهو غالط في ذلك ، وذلك لأنّه متردّد بفكره بين السلب والإثبات ، فالإثبات راجع إليه ، فإنه ما أثبت للحق الناظر إلّا ما هو الناظر عليه من كونه عالما قادرا مريدا إلى جميع الأسماء ، والسلب راجع إلى العدم والنفي ، والنفي لا يكون صفة ذاتية لأن الصفات الذاتية للموجودات إنما هي ثبوتية ، فما حصل لهذا المفكر المتردّد بين الإثبات والسلب من العلم باللّه شيء . مسألة : أنى للمقيد بمعرفة المطلق وذاته لا تقتضيه ، وكيف يمكن أن يصل الممكن إلى معرفة الواجب بالذات ؟ وما من وجه للمكن إلّا ويجوز عليه العدم والدثور والافتقار فلو جمع بين الواجب بذاته وبين الممكن وجه لجاز على الواجب ما جاز على الممكن من ذلك الوجه من الدثور والافتقار وهذا في حق الواجب