محمد بن أحمد الشاذلي ( ابن زغدان )
57
قوانين حكم الاشراق إلى كافة الصوفية بجميع الآفاق
--> - حكمة رابعة عشر : ويقال الفقر هو الذي يسبح به في بحر الشرف ، وينسخ العادة بأحكام خرق العادة ، وينسخ مقام الوحشة بالوحدة ، وينسخ مقام الوحدة بالحرية وينسخ الحرية بالعبادة في حال الاتصال بالأدب المستولى ، وينسخ التوكل بالتسليم والتسليم بالتفويض ويترك معقوله في معقوله متخيرا ، وينسخ التفويض بالرضى ، وينسخ الرضى بالتوحيد ، ويقوي التوحيد بالمحبة ويحفظ المحبة بالمعرفة ، ويخلص المعرفة بالمشاهدة ، والمشاهدة بالمقامات الفارطة كلها ، والجميع بالتحقيق ، ويركبها ويسلسلها بالتوجه والبحث والإنابة والأوبة ، ويصرفها بالكلام المقيد بالعبارة والإشارة وبالبعض ، ثم بالدقيقة وبالكل ، ثم باللطيفة وبالمذكور ، ثم بالحقيقة وبالمذكور في المذكور فافهم . ويعللها بالأحوال ويقيدها بالتصريف ، ثم يجمع المتقدم والمتأخر في كسبه وفي كل شأنه ، ويتصف بالجميع ، ويخصها في محله ولا يهمله ، ويثبت الناسخ والمنسوخ في ماهية شأنه كله ، ثم يحذف مراتبها التي تعددت ويدير عليها دائرة نتيجة شأنه الآخر بمحرك شأنه الأول ، ويسكنها بظاهر كنهه ، ويجمعها بباطن كونه ، ويجعل على الكل وفي الكل ومن الكل الأول الآخر الظاهر الباطن ، وينظر إلى الأمر كله بعين التوحيد وكلمة السلب ويجدها قد اتحدت فيه وتوحدت من أجله فينسبها إليه ويديرها ثانية وثالثة ورابعة وخامسة وسادسة وسابعة عليه ، ويعتبر جملة داخل الذهن كما اعتبرها خارج الذهن ، وينسب بالاستعارة بعض الأشياء إلى بعض ، ويجعل قلبه التوبة وكبده المجاهدة ، ويده الصبر ، ورجله الأدب ، وعينه العلم ، وسمعه الخلق ، وشمه اللطائف ، ولسانه الأحوال ، ولذته المعرفة والرضا والمحبة ، وحياته الوتر ، وموته الشفع ، وبالعكس ، ونطقه الإسلام ، وعقله الإيمان ، وروحه الإحسان ، ثم يسمى الجميع فقرا وفقيرا وقيرا و « قير » تأكيد للفقير كما تقدم وبالعكس كما لزم فافهم ! حكمة خامسة عشر : ويقال الفقر هو الحكمة التي ترسم أنها الفهم عن اللّه عزّ وجلّ ، وهو الحكمة التي سماها الشرع سنة ، وهو الحكمة التي تفيد معرفة الأشياء حسبما تعطيه وتقتضيه طبيعة البرهان ، وهو الحكمة التي يعرف بها ترغيب القرآن وترهيبه ، وجدله ، وقصصه ، ومثله ، ووعده ووعيده ، وأمره ونهيه وأحكامها كلها وكونها تنحل إلى الأسماء والصفات وفهم الحروف المتحابة ، وحروف أوائل السور مثل كهيعص وسائرها ومقايسة بعض المتحابة ببعض وتناسبها على وجه أكمل وأحكم وأنفع وألطف من الظاهر ومن جميع ما هم عليه بعض الناس ممن ينكر هذا الشأن العظيم فافهم ! وهذا الفقر الذي اختاره خير البشر . والمنصف به هو الغنى الشاكر حقيقة فإنه غنى بجوهره ، والغنى فيه ماهية ذاته إذ هو فعال بجوهره وعليه يجب الشكر الكثير الممتد إلى غير نهاية ؛ لأنه باق فيه فافهم ! وأعط المعنى المعقول مع شرف ذاته في الدارين وسلامته ومناجاته وغيره من الأغنياء بضد ذلك ، وإن كان يشبهه هذا في بعض شأنه فعنده من هذا الفقير بما يشبهه وإلا فلا سبيل إلى شيء من ذلك ، فافهم . والفقير الصابر المعروف عند العامة هذا الفقير الغني خير منه على الوجه الذي ذكرناه ، وهو خير من الغني من حيث العرف والعادة والجمهورية . وبالجملة : الفقر من جميع الوجوه هو المطلوب الشريف وحده ، وكل مطلوب شريف وحده لا -