محمد بن أحمد الشاذلي ( ابن زغدان )

121

قوانين حكم الاشراق إلى كافة الصوفية بجميع الآفاق

الروح « 1 » جسم لطيف مركب من الجواهر النوراية ، ليس له قبل حلول الجسم صورة

--> ( 1 ) الأصل فيه قوله تعالى : وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي [ الحجر : 29 ] ، وقوله تعالى : وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ [ السجدة : 9 ] . اعلم أن هذه الإضافة إضافة تشريف وإظهار بأنه خلق عجيب ومخلوق شريف ، وإن له شأنا لأنه جعل فيه الشيء الذي اختص تعالى به ، ولذلك أضافه إليه فصار بسبب ذلك حيّا حساسا بعد أن كان جمادا . والروح اختلف العلماء هل يجوز الخوض فيها أم لا ، فذهب قوم إلى أن الإمساك عنها أولى ، وذهب آخرون إلى الكلام فيها ، والمتكلمون فيها اختلفوا هل هي عرض أو جرم لطيف يحل بالأجرام ، كحلول الماء في العود الأخضر ، والحكماء يقولون هي اللطيفة المدبرة للجسد حيوانا كان أو غيره ، وهذه اللطيفة مختلفون فيها ، فمنهم من قال : إنها الريح فهي عندهم في الحيوان روح ، وفي الهوى ريح ، فالأولى تحرك الحيوانات ، والأخرى تحرك الجمادات ، ومنهم من قال : إنها ماء الجسد المشتبك فيه اشتباك ماء العود الأخضر به ، وهذا الماء عند الفلاسفة هو الدم ، وعند غيرهم ما صحّ منه التركيب البدني ؛ لأنهم إذا ذهب ذهب تركيب البدن ، وهذه الأقوال وإن كانت حقّا فمن وراء حجاب عن حقيقتها ، وحقيقتها هي التي أجاب عنها تعالى بقوله : وَيَسْئَلُونَكَ : أي اليهود عَنِ الرُّوحِ الذي هو روح البدن الإنساني ، ومبدأ حياته سألوه عن حقيقته ، فأجيبوا بقوله : قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي [ الإسراء : 85 ] : أي من جنس ما استأثر اللّه بعلمه من الأسرار الخفية ، التي لا يكاد يحوم حولها عقول البشر ، فالأمر واحد الأمور بمعنى الشأن والإضافة ؛ للاختصاص العلمي لا الإيجادي ؛ لاشتراك الكل فيه ، والمعنى أن الروح ليس من عالم الخلق حتى يمكن تعريفه للظاهرين البدنيين الذين لا يتجاوز إدراكهم عن الحس والمحسوس بالتشبيه ببعض ما شعروا به ، والتوصيف بل من عالم الأمر الإبداع الذي هو عالم الذوات المجرّدة عن الهيولي والجواهر المقدسة عن الشكل واللون والجهة والأين ، فلا يمكنهم إدراكه أيها المحجوبون بالكون ؛ لقصور إدراككم وعلمكم ، ولذلك قيل : « من عرف نفسه فقد عرف ربه » إذ لا يمكن معرفتها حق المعرفة ، وأقاويل العلماء والحكماء والصوفية كثيرة في ماهية الروح ، وأولى الأقاويل أن يوكل علمه إلى اللّه عزّ وجلّ وهو قول أهل السنة . قال عبد اللّه بن بريده : إن اللّه لم يطلع على الروح ملكا مقربا ولا نبيّا مرسلا بدليل قوله : قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي الذي استأثر به ؛ لأنها من قول : ( كن ) إِنَّما قَوْلُنا لِشَيْءٍ إِذا أَرَدْناهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ [ النحل : 40 ] . واعلم أن الروح في الحقيقة روحان : روح القدس ، وروح الأكوان ، فروح القدس هو روح الأرواح ، وهو المنزه عن الدخول تحت حيطة ( كن ) ، فلا يجوز أن يقال فيه إنه مخلوق ؛ لأنه وجه خاصة من وجوه الحق ، قام الوجود بذلك الوجه ، فهو روح لا كالأرواح ؛ لأنه روح اللّه تعالى ، وهو المنفوخ فيه من آدم . وإليه الإشارة بقوله : وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي [ ص : 72 ] ، فروح آدم مخلوق وروح اللّه ليس -