محمد بن أحمد الشاذلي ( ابن زغدان )

122

قوانين حكم الاشراق إلى كافة الصوفية بجميع الآفاق

لبساطته في عالمه العلوي ، فإذا حلّ في الجسم اكتسب الصورة من المحل كذلك السعادة والشقاوة . وهو حادث محدث لخالقه ، ليس بقديم ولا يطرأ عليه فناء بعد خلقه ، وهو من عالم الأمر الرباني . قال اللّه تعالى : قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي [ الإسراء : 85 ] . والاطلاع على حقيقته عسير ؛ لأنه من أسرار اللّه المضنون بها على الأكثرين من الخلق ، وهو غريب في السفليات أهيل في العلويات . الروح من نور أمر اللّه منشؤها * الأرض منشأ هذا القالب البدني

--> - بمخلوق ، فهو روح القدس : أي أنه هو الروح المقدّس عن النقائص الكينونية ، وذلك الروح هو المعبّر عنه بالوجه الإلهي في المخلوقات . وهو المعبّر عنه في الآية بقوله : فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ [ البقرة : 115 ] ، يعني هذا الروح المقدس الذي أقام اللّه به الوجود الكوني بوحدانيته ، تولوا بأجسامكم في المحسوسات ، أو بأفكاركم بالمعقولات . فإن الروح المقدس متعين بكمال فيه ؛ لأنه عبارة عن الوجه الإلهي القائم بالوجود ، فذلك الوجه في كل شيء هو روح اللّه ، وروح الشيء نفسه ، فالوجود قائم بنفس اللّه ، ونفسه ذاته ، فتعالى اللّه عن المثل والشبيه ، أو أن يدركه بعقله نبيه . وروح الأكوان هو أن كل شيء من المحسوسات له روح مخلوق قام به صورته ، والروح لتلك الصورة كالمعنى للفظ لا يخلو منه كون ما ، إلا إذا لم يدخل في كينونة ( كن ) ، وتلك الروح كائنة من روح القدس ، لا يصح كونها من غيره ، ولا يصح كونها منه فافهم ثم تتعلم ، وهو من أغرب ما يعلم أن الروح في دخولها في الجسد وحلولها فيه لا تفارق مكانها ، ولكنها لما نظرت إلى الجسد حلّت فيه ؛ لأن من عادة الأرواح أن تحل فيما نظرت فيه من غير مفارقة لمركبها ، وهذا مما لا يفهم إلا بالكشف الربّاني ، ولكني أمثله لك ليقرب من ذهنك يسيرا ، فهذا الحلول كحلول وجهك في المرآة من غير مفارقة منك لموضعك وهو مجرد مثل . وأما التفرقة فهي حاصلة من كل وجه غير ذلك الحلول ، وشهود تلك الروح القائمة بها الأكوان قدسا وكونا هو البحر ، الذي إذا شاهده الولي شاهد منه الأنبياء والأولياء والملائكة ، وغير ذلك من كل روح قائمة في جسدها شهودا لا تكون فيه تفرقة بين كبيرها وصغيرها ، وكثيرها وقليلها ، ولا ينجيه من الغرق فيه إلا سفينة الشريعة ؛ لأنها ترد له كل شيء إلا بما هو له ظاهرا وباطنا ، فيحكم للكل بما حكم به ربه من وجود ظاهر وعدم باطن .