علي بن أحمد المهائمي

96

خصوص النعم في شرح فصوص الحكم

( علمه بأنه متميز عن موجده ) ، والتمييز مباينة توجب البعد الموجب للجهل ، مع أن ذلك التميز ( بافتقاره إليه ) ، فلا يدركه ما لم يرتفع عنه حجاب افتقاره إليه بالوجوب الذاتي ، ( ولكن لاحظ له في الوجوب الذاتي الذي لوجود الحق ) ، وإن فني وجوده في وجود الحق ، وبقي به ( فلا يدركه أبدا ) لا حال الفناء والبقاء ، ولا بدونهما . ( فلا يزال الحق من هذه الحقيقة ) « 1 » أي : من هذا الوجه الذي هو الوجوب الذاتي ( غير معلوم علم ذوق وشهود ) بل غايته أن يعلم بعلم التصور الذي هو حجاب ، وإن علم بالذوق والشهود من وجه آخر كان الفناء ، والبقاء لكن لا يمكن من هذا الوجه أعني : الوجوب الذاتي ؛ ( لأنه لا قدم للحادث في ذلك ) الوجه ، ولا يعرف أحد ذوقا وشهودا ما ليس فيه ؛ لوجوب اتصاف الذائق بصفة المذوق ، وانتفاش محل الشهود من الشاهد بصورة المشهود ، ولما كان العالم حجابا عن الحق يمنع عن ظهوره بأفعاله الدالة على أسمائه ، وصفاته الدالة على ذاته ، ولا فاعل غيره فهو يفعل بالعالم أجسامه ، وأرواحه في الظاهر كما يفعل بأسمائه وصفاته في الباطن ، فهما أيضا يدان للحق بينهما تقابل مثل التقابل بين الأسماء الإلهية ، والحقائق الكونية وليده من الأسماء المتقابلة ، لما توجهت على خلقة آدم صار جامعا لحقائق العالم المتقابلة ومفرداته ، كذلك فقد اجتمعت فيه هاتان اليدان أيضا ، وهما أشمل مما تقدم ، فحمل القرآن عليه أولى ( فما جمع ) ابنه ( لآدم بين يديه إلا تشريفا ) أي : لأعضاء الخلافة التي هي غاية الشرف ؛ لأنه ناسب بهما الحق ، والخلق فصار مستعدا ؛ لأن يستفيض من الأول ، ويفيض على الثاني . ( ولهذا ) التشريف فضل آدم على الكمّل ، وصار مستحقا لسجود الملائكة له حتى لزم حجبة الحق على إبليس حيث ( قال لإبليس : ما مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِما خَلَقْتُ بِيَدَيَّ [ ص : 75 ] ، وما هو ) أي : التشريف الملزم حجة الحق على إبليس ( إلا عين جمعه بين الصورتين صورة العالم ، وصورة الحق ) ؛ ليناسبهما فيستحق خلافة الحق على الخلق ، ( وهما ) أي : الصورتان ( يدا الحق ) ، إما صورة الحق : وهي أسماؤه فهي المؤثرة في الباطن ، وإما صورة العالم ؛ فهي المؤثرة في الظاهر حتى أن المنفعل منه فاعل للقبول ، وهو نوع من التأثير والتقابل بينهما أتم ؛ لشمولهما تقابل الأسماء الإلهية ، والحقائق الكونية مع اعتبار تقابل آخر بين تلك الأسماء والحقائق ، ( وإبليس جزء من العالم ) فليس له من الفضيلة ما يتمسك بها من الإباءة عن السجود ، ولم يطلع على هذه الجمعية إذ ( لم تحصل له هذه الجمعية ) ، فاعتبر نفسه جزءا من العالم وهو النار ، وآخر لآدم ، وهو التراب ؛ فقال : خَلَقْتَنِي مِنْ نارٍ

--> ( 1 ) في نسخة : « الحيثية » .