علي بن أحمد المهائمي
76
خصوص النعم في شرح فصوص الحكم
والنباتية والحيوانية والإنسانية وقواها ، ووصف الصور بذلك يشير إلى أنه كان الواجب على القوى أن تنظر في الصور القابلة أن لها أيضا هذه الجمعية مع أنها ليست مقصودة بذاتها بل بأرواحها ، فلا يكون لها فضل بل هذه القوى باعتبار هذه الجمعية غايتها أن تساوي تلك الصور ، فافهم ؛ فإنه مزلة للقدم . وإذا كان جمعية ما سوى آدم وأولاده قاصرة ، وإن بلغوا من العظمة ما بلغوا ، ولا بدّ من الجمعية الكاملة فكانت لآدم وأولاده ، ( فسمي هذا المذكور ) أي : آدم ( إنسانا وخليفة فأما إنسانيته ) أي : كونه مسمى بالإنسان ( فلعموم نشأته ) أي : شمول خلقته ظهورات الأسماء والصفات الإلهية ، ( وحصره الحقائق ) أي : أسرار سائر الموجودات فهو مؤنس لهما ، ولما تم فيه معنى الأنس اشتق منه صيغة المبالغة ، وهي الإنسان . وأيضا لتسميته إنسانا وجه آخر ، ( وهو ) أنه ( للحق بمنزلة إنسان العين من العين ) أي : بمنزلة البصر للحق ، فإن إنسان العين : هو ( الذي يكون به النظر ) أي : إدراك المبصرات للعين ( وهو ) أي : الذي يكون به للعين النظر ، ( والمعبّر عنه بالبصر ) الذي هو القوة المدركة للمبصرات ، وهو إنسان العين ؛ فلهذا أي : فلوجود هذا المعنى في الإنسان من حيث إنه مقصود بالذات من خلق العالم « 1 » . وفي تقديم الجار والمجرور ، وإعادة لفظ « سمي » إشارة إلى أن هذا الوجه الكامل الذي لا ينبغي أن يعتبر معه غيره سمي إنسانا كأنه هو بصر الحق بعينه ، ( فإنه به نظر الحق إلى خلقه ) ؛ لأن خلقه من مقدماته أو متمماته ( فرحمهم ) ليوقف ذاته أو كماله عليهم فالإنسان : هو العلة الغائية من إيجادهم ، وإذا كان هو العلة الغائية ( فهو الإنسان الحادث الأزلي ) إذ العلة الغائية متأخرة في الواقع عن سائر العلل متقدمة عليها في ذهن الفاعل كالجلوس على السرير متقدم في ذهن النجار على سائر علل السرير ، ومتأخر عن تمامه في الواقع ؛ فالإنسان من حيث تأخره في الواقع عن سائر الموجودات حادث قريب الحدوث ، ومن حيث تقدمه في العلم الإلهي رتبة عليها أقدم منها « 2 » ( والنّشؤ الدائم الأبدي ) ؛ لأن
--> ( 1 ) اعلم أنه ليس المراد أن الواجب في حقه تعالى جسم له عين ، وأن آدم إنسانها ، فإنه لا يقوله عاقل فضلا عن عارف ، فيسقط المحظور والمحذور ، وأمّا كونه تعالى في عالم القدم يرى الأشياء قبل ظهورها ؛ فهذا منه ؛ لأنه من عالم القدم حيث هذا يكون لآدم حال كونه صورة مخزونة في العلم الإلهي ، وليس هذا له حال كونه جسما عنصريا . ( 2 ) اعلم أنه لا إشكال في هذا ولا كفر ، ولا زلل ولا خلل . أمّا أزلية هذا المذكور : فباعتبار صورة حقيقته العلمية . وأمّا حدوثه : فباعتبار إنه كان عن الحق سبحانه وتعالى ، وكل ما كان عن الحق تعالى ؛ فهو حادث ؛ لأن الماهيات مجعولة بالجعل البسيط ، فلا زلل ولا خلل في قوله : الحادث الأزل .