علي بن أحمد المهائمي
77
خصوص النعم في شرح فصوص الحكم
الحكيم إذا ظفر بمطلوبه بعد ترتيب مقدمات كثيرة لا يعدمه بالكلية ، بل غاية ما يفعل به أن ينقله من مقام إلى آخر ، ( والكلمة الفاصلة الجامعة ) ، فإنه من حيث جمعيته الأسرار الإلهية والكونية أشبه الكلمة في جمعها للحروف ، ومن حيث إنه مقصود بالذات انفصل عما عداه مع أنه جمع مقاصد كل ما عداه فصارت فاصلة جامعة ، وإذا كان هو المقصود من خلق العالم وروحه ، ( فتم العالم لوجوده ) ، إذ ما ليس بمقصود بالذات لا يتم بدونه ، وكذا الجسم لا يتم بدون الروح ، وإذا كان تمام العالم به ( فهو من العالم كفصّ الخاتم من الخاتم ) به يتم الخاتم ، وإذا كان كفص الخاتم ، وفص الخاتم محل النقش ( الذي ) به يعلم الملك ما يختم من خزائنه ( فهو ) أي : الإنسان ( محل النقش والعلامة ) أي : محل النقش صورة الجمعية الإلهية التي يعلم بها ما يختم من خزائن العالم المملوء بصور أسمائه الحسنى كما أن فصّ الخاتم الملك محل العلامة « 1 » ( التي بها يختم الملك على خزائنه ) ليحفظها ، وكذلك الحق حفظ بعلامة نقش جمعيته خزائن العالم . ( وسمّاه ) أي : المذكور وهو آدم ( خليفة من أجل هذا ) أي : من أجل حفظه الخزائن العالم مع احتجاب الحق عنها كحفظ الحق إياها بدون الحجاب ، وهذا هو فعل الخليفة في حفظ المدينة عند غيبة الملك عنها ، وإليه الإشارة بقوله : ( لأنه ) أي : المذكور ، وهو آدم ( الحافظ به خلقه ) الذي هو صدر تجليات أسمائه بكونه مقصودا منها ، وهو يحتاج إليها من حيث إنها مقدماته أو متمماته ( كما يحفظ الختم ) أي : ختم الملك بنقش فص خاتمه ( الخزائن ) لا من حيث إنه ختم بل من حيث إنه قائم مقام حضور الملك ( فما دام ختم الملك عليها لا يجسر أحد على فتحها ) ، لإخراج ما فيها من المخزونات ( إلا بإذنه ) ، فكذلك ما دام ختم الحق على خزائن العالم لا يجسر أحد من الأسماء القهرية ، ومظاهرها على فتح خزائن العالم لإخراج ما فيه إلا بإذن الاسم الأعظم الذي هو رب الإنسان الكامل ، فلما كان له استعداد الختم على خزائن العالم ( فاستخلفه في حفظ العالم ) بتدبيره إياه بما تحقق به من حقائق الأسماء الإلهية اللطيفة ؛ ( فلا يزال العالم ) الدنيوي ( محفوظا ) عن الهلاك الكلي ، ( ما دام فيه هذا الإنسان ) الذي هو ختم على خزائن عالم الدنيا . وقد ورد : « لا تقوم الساعة ما دام يقال في الأرض : اللّه اللّه » « 2 » وهو اسم الذات المستجمع جميع الصفات فلا ينطق به على ما هو عليه الإنسان ( الكامل ) بقدر الطاقة البشرية .
--> ( 1 ) فكما أن الفص محل النقش ، كذلك الإنسان الكامل محل ظهور صور الأسماء الإلهية ، وكما أن في الفص علامة تدل على صاحب الخاتم ، كذلك العالم بمنزلة الخاتم ، وفصّه الإنسان الكامل ، وفيه علامة تدل على الحق تعالى ؛ لظهور جميع أسمائه فيه الدّالة عليه . ( 2 ) رواه مسلم ( 1 / 131 ) ، والحاكم في « المستدرك » ( 4 / 539 ) .