علي بن أحمد المهائمي
73
خصوص النعم في شرح فصوص الحكم
بواسطة القوابل الظاهرة ، بخلاف فيضان الأرواح بواسطة هذه القوابل فإنه مقدس ، وأما القوابل الباطنة أعني : الأعيان الثابتة فلا تعد وسائط لعدميتها ، ولا من الفيض إذ لا معنى له سوى إشراق نور الوجود كفيضان نور الشمس على المحل القابل له ، ولو كانت من الفيض لكانت مجعولة وحمل القابل عليها في الكتاب مخل بالنظم على ما لا يخفى ، وإنما كان فيض الروح مقدسا مع براءته عن المواد الجسمانية المظلمة باعتبار تعلقه بالجسم المظلم لا في نفسه ، فإنه أقدس من فيض القوابل أيضا فافهم ، فإنه مزلة للقدم . وإذا كان فيضان الأرواح والقوابل منه ( فالأمر ) أي : أمر الفيض ( كله منه ابتداؤه ) بفيضان القوابل الظاهرة ، ( وانتهاؤه ) بفيضان الأرواح المكملة لتلك القوابل ، ( وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ ) أي : إلى تجليه يرجع فيضان الوجود على الأرواح ، وقوابلها حال البقاء ( كما ابتدأ ) الفيضان أول زمان حدوثها ( منه ) ، وإذا كان العالم كالشبح المسوى بلا روح فكان كمرآة غير مجلوة ، وكل شبح مسوى كمرآة غير قابل للروح بالجلاء ، ( فاقتضى الأمر ) الإلهي ، وهو الجود المفيض على كل مستحق حقه ، وقد استحق العالم الروح المدبر فيه الذي يحصل به جلاوة ( جلاء مرآة العالم ) بفيضان الروح المدبر لمجموعه ، وهو الإنسان الكامل النازل من العالم منزلة المصقل للمرآة ( فكان آدم عين جلاء تلك المرآة ) بتدبيره إياها تدبير المصقل للمرآة في تكميل نظامها ، ( وروح تلك الصورة ) الحافظ لها . ولذلك إذا خرج الإنسان الكامل من الدنيا خربت خراب الميت على ما يأتي بيانه إن شاء اللّه تعالى ، كيف وهو المقصود من وجودها كالروح من وجود البدن لما فيه من الجمعية المطلوبة للحق تعالى في الظهور . ثم استشعر سؤالا : وهو أنه لم لا تكون الملائكة هي الأرواح المدبرة لكل العالم ، مع أن روحانيتها أعظم وأقوى من روحانية الإنسان فلا يكون العالم قبل آدم كشبح مسوى بلا روح ، ولا كمرآة غير مجلوة مع وجودها ؟ فأجاب بقوله : ( وكانت الملائكة من بعض قوى تلك الصورة ) ، يعني أن الملائكة ليست هي الأرواح المدبرة لكل العالم من كل الوجوه ؛ بل لكل منهم مقام معلوم أي : تصرف خاص في جزء من أجزاء العالم أو في كله على وجه خاص فأشبهوا القوى الحيوانية
--> - باقتضاء ذاتي ، فالأمر قبول ذاتي ، وحصول استعدادي ، وظهور ، وبروز له تعالى لذاته بذاته لا غير ، وقبول هذا من لوازم قبول وحدة الوجود وفروعها ، فافهم أن هذه المسألة من أساس معارف الشيخ رضي اللّه عنه ولا تمل عنها ، ولا تأخذ عنها بدلا فإنها كشف أوسع الكشوف ، وإن اعترضوا علينا بذكر هذه المسألة ، فليس بأقل منع جرى على طلل ، وأن الشياطين ليوحون إلى أوليائهم ليجادلوكم ، واللّه المستعان ، فافهم .