علي بن أحمد المهائمي
712
خصوص النعم في شرح فصوص الحكم
( فإن لم يره هذه الرؤية فليعبده بالإيمان ) الموجب اعتقاد قربه كما يعتقد الجليس الأعمى قرب جليسه ، فتبلغ بذلك رتبة الإحسان ، فيصير ( كأنه يراه فتخيله في قبلته عند مناجاته ) كما ورد به الحديث المذكور آنفا ، ( ويلقي السمع ) في حالتي الرؤية والإحسان ( لما يرد عليه من الحق ) في معاني كلامه ، وفيما يأتي به من سائر الأفعال إذ يصير كأنه يسمع من اللّه تعالى على ما نقله الشيخ شهاب الدين السهروردي في الباب الثاني من « العوارف » عن الإمام جعفر الصادق : « أنه خرّ مغشيا عليه ، وهو في الصلاة ، فسئل عن ذلك ، فقال : ما زلت أردد الآية حتى سمعتها من المتكلم بها » . [ فإن كان إماما لعالمه الخاصّ به وللملائكة المصلّين معه فإنّ كلّ مصلّ فهو إمام بلا شكّ ، فإنّ الملائكة تصلّي خلف العبد ؛ إذا صلّى وحده كما ورد في الخبر فقد حصل له رتبة الرّسول في الصّلاة ، وهي النّيابة عن اللّه ، وإذا قال : سمع اللّه لمن حمده ، فيخبر نفسه ومن خلفه بأنّ اللّه قد سمعه ، فتقول الملائكة والحاضرون : ربّنا ولك الحمد ؛ فإنّ اللّه قال على لسان عبده : سمع اللّه لمن حمده ، فانظر علوّ رتبة الصّلاة وإلى أين تنتهي بصاحبها « 1 » ؛ فمن لم يحصّل درجة الرّؤية في الصّلاة فما بلغ غايتها ولا كان له قرّة عين ، لأنّه لم ير من يناجيه ، فإن لم يسمع ما يرد من الحقّ عليه فيها فما هو ممّن ألقى السّمع ، ولا سمعه ، ومن لم يحضر فيها مع ربّه مع كونه لم يسمع ولم ير ، فليس بمصلّ أصلا ، ولا هو أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ [ ق : 37 ] ] . ثم قال الشيخ شهاب الدين - رحمه اللّه : فالصوفي لما حالت له ناصية التوحيد ، وألقى سمعه عند سماع الوعد والوعيد ، وقلبه ضاق بالتخلص عما سوى اللّه صار بين يدي اللّه حاضرا شهيدا يرى لسانه ولسان غيره له في التلاوة كشجرة موسى عليه السّلام حيث أسمعه اللّه منها خطابه إياه : إِنِّي أَنَا اللَّهُ [ القصص : 30 ] ، ولكن إن لم يكن هذا إلماما لعالمه لم تحصل له رتبة الرسول مع هذا السماع من اللّه تعالى ، ( فإن كان إماما لعالمه الخاص وبه للملائكة المصلين معه ) قيد بذلك ؛ لأن إمامته للملائكة وحدهم لا تبلغه هذه الرتبة ، إذ لا تبلغ صلاتهم بسببه إلى خمس وعشرين صلاة أو سبع وعشرين ، بل هم يكملون صلاته ومع ذلك هو إمامهم ، ( فإن كل مصلّ ) إمام كان في الظاهر أو منفرد ( هو ) إمام لعالمه أو للملائكة ( بلا شك ) ، ( فإن الملائكة تصلي خلف العبد إذا صلى وحده كما ورد في الخبر ) ، وهو قوله عليه السّلام فيما رواه صاحب « قوت القلوب » و « العوارف » : « إن العبد إذا قام
--> ( 1 ) رواه البخاري ( 1 / 244 ) ، ومسلم ( 1 / 293 ) .