علي بن أحمد المهائمي

661

خصوص النعم في شرح فصوص الحكم

الفلاسفة : « إن المعجزات آثار النفوس القدسية » ؛ ( فلا يكون إلا ممن له تميز في العلم المحقق عن التخيل والإيهام ) ، فإن غاية علم الساحر إن يعلم كيفية إخفائها حتى يتخيل الرأي ويتوهم أنها فنيت لا حقيقة الإفناء ، وإنما يكون لمن تحقق بعلم إفاضة الصور تكوينا وإفسادا ، وذلك إنما يكون للمتوسط بين اللّه وبين خلقه وهو الرسول ، فعلموا حقيقة رسالته ، وقبلوا دعوته ، ( فآمنوا برب العالمين ) . ولما كان يتوهم أن المراد به فرعون ، أزالوه بقولهم : ( رَبِّ مُوسى وَهارُونَ [ الشعراء : 48 ] ) ليس المراد الاسم الخاص بتربيتهما ؛ فلذا فسره بقوله : ( أي : الرب الذي يدعو إليه موسى وهارون ) ، وحينئذ يرتفع عندهم اللبس عن القوم بأنه ليس المراد به فرعون ، وإن جوز متوهم أن يقصدوا ذلك بناء على أنهم ربما ظنوا أن دعوة موسى إنما كانت لإلهية فرعون ؛ ( لعلمهم ) أي : السحرة ( بأن القوم يعلمون أنه ) ، أي : موسى وكذا هارون ( ما دعا لفرعون ) أي : بالإفراد بربوبيته للعالمين ، وإن كان له التحكم التام والسيف العام كما قال ، ( ولما كان فرعون في منصب التحكم ) جواب الشروط قوله : فَقالَ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلى [ النازعات : 24 ] ؛ وذلك لظنه أن الربوبية بهذا التحكم ، فإن صحّ فإنما يكون لمن كان تحكمه من الأزل إلى الأبد بالاستقلال ظاهرا وباطنا بلا احتياج إلى السيف ، وهو في هذا التحكم إنما كان ( صاحب الوقت ) الحاضر لا قبل ما وفي ولا بعد الموت ، ( وإنه الخليفة ) ، بلا استقلال مع أن تحكمه إنما يكون ( بالسيف ) لا بأمر « كن » ، فغايته أنه خليفة عن اللّه ، وإن جاز لجوازان يجوز الخليفة ، وإن كان المستخلف عدلا مع أنه إنما ( جار في العرف الناموسي ) ، أي : ظاهر الشرع ، وفي الباطن أفاد المظلوم بحسناته أو احتمال سيئاته ؛ ( لذلك ) أي : لظنه الربوبية بالتحكم كيف ما كان ، ( قال : أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلى [ النازعات : 24 ] ) ، فجعل بعض الأرباب أعلى لعلوه في هذا التحكم ، وبعضهم أدنى لدنوه فيه ؛ ولذلك فسر كلامه بقوله : ( أي : وإن كان الكل أربابا ) ؛ لأن كل منهم وجها من التحكم ( بنسبة ما ) ، وأقله تحكم نفوسهم في تدبير أبدانها ، ( فأنا الأعلى منهم ) ؛ لعلو تحكمي وإن لم يكن من مقتضى ذاتي ، بل ( بما أعطيته في الظاهر ) ، وإن كان تصرف نفوسهم المتحكمة في الباطن ، بل أقدر على إزالة ذلك بالقتل . [ ولمّا علمت السّحرة صدقه فيما قاله لم ينكروه وأقرّوا له بذلك ؛ فقالوا له : فَاقْضِ ما أَنْتَ قاضٍ إِنَّما تَقْضِي هذِهِ الْحَياةَ الدُّنْيا [ طه : 72 ] فالدّولة لك ، فصحّ قوله : أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلى [ النازعات : 24 ] ، وإن كان عين الحقّ فالصّورة لفرعون ، فقطّع الأيدي والأرجل وصلب بعين حقّ في صورة باطل لنيل مراتب لا تنال إلّا بذلك