علي بن أحمد المهائمي

662

خصوص النعم في شرح فصوص الحكم

الفعل ؛ فإنّ الأسباب لا سبيل إلى تعطيلها لأنّ الأعيان الثّابتة اقتضتها ؛ فلا تظهر في الوجود إلّا بصورة ما هي عليه في الثّبوت إذ لا تبديل لكلمات اللّه ، وليست كلمات اللّه سوى أعيان الموجودات ، فينسب إليها القدم من حيث ثبوتها وينسب إليها الحدوث من حيث وجودها وظهورها كما تقول حدث اليوم عندنا إنسان أو ضيف ولا يلزم من حدوثه أنّه ما كان له وجود قبل هذا الحدوث ، ولذلك قال تعالى في كلامه العزيز أي : في إتيانه مع قدم كلامه : ما يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ إِلَّا اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ [ الأنبياء : 2 ] وَما يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنَ الرَّحْمنِ مُحْدَثٍ إِلَّا كانُوا عَنْهُ مُعْرِضِينَ [ الشعراء : 5 ] ، والرّحمن لا يأتي إلّا بالرّحمة . ومن أعرض عن الرّحمة استقبل العذاب الّذي هو عدم الرّحمة ] « 1 » . ثم أشار إلى غاية أثر هذه الربوبية فيما اعتبر رتبة السحرة عند تهديده إياهم لإيمانهم باللّه دون ربوبية فرعون ، فقال : ( ولما علمت السحرة صدقه فيما قاله ) من التهديد بقوله : فَلَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلافٍ وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ [ طه : 71 ] ( لم ينكروه ) لصدوره عن هذا التحكم ، ( وأقروا له بذلك ) التحكم وإن كان يظن به أنه الرب الأعلى ، فكأنهم صدقوه في أنه الرب الأعلى ، لو كانت الربوبية بهذا التحكم كما يصدق من قال له لو كان الإنسان حجر كان جمادا ، فإن المتصلة تصدق عند صدق الملازمة مع كذب الطرفين ، لكنهم ما صرحوا بهذا التصديق ، بل صرحوا بتصديق تهديده مع الإشارة إلى رد هذه الدعوى ، ( فقالوا له ) : إنما تقضي بهذا التحكم هذه الحياة الدنيا ، الحقيقة باقية من الأزل إلى الأبد ، ( فَاقْضِ ما أَنْتَ قاضٍ [ طه : 72 ] ) ، وإن كانت الربوبية بالحقيقة لغيرك ، ( فالدولة لك ) اليوم في الظاهر بحيث لا يعارضك الرب الحقيقي ولا نفوسنا ، وإذا لم يعارض فعله عن هذا التحكم بشيء ، ( فصح ) عنده ( قوله : أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلى ، ) إذ العلو في الربوبية عنده التأثير بها بلا معارض مع عموم السيف ، لا باعتبار ظهور الرب كما تعتقده جهّال الصوفية ، ولا ربوبية هذا الظهور مع أنه لا يعتقد ربّا آخر فضلا عن ظهوره ، وإن كان الظاهر فيه ( عين الحق ) إلا أنه بالظهور صار صورة حادثة بمرآة عينه الثابتة ، ولا صورة للحق في ذاته . ( فالصورة لفرعون ) كما أنه لا لون للشمس مع أنها تتلون وراء الزجاجات المتلونة

--> ( 1 ) لما ذكر الحكم والأسرار التي تضمنتها الآيات الواردة في شأن موسى وفرعون أراد أن يبين أن مثل هذا الإيمان أي : إيمان فرعون وغيره من آمن عند اليأس من غير أن يقع في الغرغرة ، ويرى العذاب الآخر وبأسها نافعا في الآخرة وإن يكن نافعا في الدنيا . ( شرح الجامي ص 500 ) .