علي بن أحمد المهائمي
660
خصوص النعم في شرح فصوص الحكم
غايته الانقلاب ، ولا تمحض معه في صورة انقلاب العصا حية مع انخلاع الصورة الأولى ، فكيف بدونها ؟ ! ( فهي العصا ) من وجه ، ( وهي الحية ) من وجه ، وفيها اعتبار أن الحياة الحادثة كحياة من حيا باللّه بعد الحياة الحيوانية والثعبانية ، كما قال : ( والثعبان الظاهر ) بهذا الاعتبار يكون قائلا مفنيّا ، ( فالتقم أمثاله ) فيه إشارة إلى أن الجنسية سبب الضم ، والتأثير ( من الحيات من كونها حية ) ، والتقمت ( العصي من كونها عصي ) . ولما كان الآكل ظاهرا باقيا ، والمأكول باطنا فانيا ، ( فظهرت ) أي : غلبت ( حجة موسى على حجج فرعون ) ، وإن كانت أكثر أفرادا وأنواعا ، والغلبة في النوع الموافق ظاهرة ، فجعلت الحبال حياة ؛ وذلك لأنه كانت حجج فرعون ( في صورة عصا ، وحيات ) انقلبت ، ( وحبال ) انقلبت حيات ، وهذا هو النوع الزائد من وجه ، ( فكانت للسحرة حبال ) ، وهي وإن كانت زائدة صورة ، إذ ( لم يكن لموسى حبل ) ، فهو دال على النقص فيهم ، والكمال في موسى إشارة ؛ وذلك لأن ( الحبل ) وإن أريد به الرسن قد جاء بمعنى ( التل الصغير ) ، فهو إشارة إلى صغر مقدارهم ، وصغر مقدار التل إنما يعتبر بالنسبة إلى الجبال ، فهو بطريق الإشارة كما قال ، ( أي : مقاديرهم بالنسبة إلى قدر موسى ) « 1 » بمنزلة الحبال التي هي ( التّلال الصّغار إلى الجبال الشّامخة ) « 2 » . [ فلمّا رأت السّحرة ذلك علموا رتبة موسى في العلم ، وأنّ الّذي رأوه ليس من مقدور البشر وإن كان من مقدور البشر فلا يكون إلّا ممّن له تميز في العلم المحقّق عن التّخيّل والإيهام ، فآمنوا بربّ العالمين ربّ موسى وهارون ، أي : الرّبّ الّذي يدعو إليه موسى وهارون ، لعلمهم بأنّ القوم يعلمون أنّه ما دعا لفرعون ، ولمّا كان فرعون في منصب التّحكّم صاحب الوقت ، وأنّه الخليفة بالسّيف ، وإن جار في العرف النّاموسي لذلك قال : أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلى [ النازعات : 24 ] ، أي : وإن كان الكلّ أربابا بنسبة ما فأنا الأعلى منهم بما أعطيته في الظّاهر من التّحكّم فيكم ] . ( فلما رأت السحرة ذلك ) أي : نقصهم في كمالهم ، وكمال موسى في نقصه ، إذ رأوا علو شأن حجج موسى في قلتها أفرادا وأنواعا ، ولا يعلو شأن الحجج إلا من علو شأن المحتج بها في العلم الذي أتى به منه ( علموا رتبة موسى في العلم ) ، وأنه انتهي من اتصاله بربه بحيث لا يصل إليه طوق الساحر ، ومن هنا علموا ( أن الذي رأوه ) من التقام عصاه عصيهم وحبالهم ( ليس من مقدور البشر ، وإن كان من مقدور البشر ) ، كما تقول
--> ( 1 ) في نسخة : « أي : مقاديرهم بالنّسبة إلى قدر موسى عند اللّه » . ( 2 ) في نسخة : « كنسبة التّلال الصّغيرة إلى الجبال الشّامخة » .