علي بن أحمد المهائمي
65
خصوص النعم في شرح فصوص الحكم
الكمال والتكميل في علوم تتزين بها ، وتكمل بقية العلوم اليقينية التي هي مناط أعلى مراتب السعادة الأبدية ، وهي علوم الكمّل من الأنبياء - عليهم السّلام - أدركت أمنيتي محققة إذ وجدت ذلك عن كشف تام نبوي على يدي أكملهم ، وليس للولي الاطلاع على ذلك بنفسه ، وكان رضي اللّه عنه يتمنى ذلك مدة مديدة مذ أطلعه اللّه ، وأشهده أعيان رسله وأنبيائه في مشهد أقيم فيه ب « قرطبة » سنة ست وثمانين وخمسمائة على ما يأتي في فصّ هود عليه السّلام ذكره الشيخ رضي اللّه عنه في المنام لبعضهم . ( وأخلصت النية ) أي : جردتها عن طلب العوض من الثناء والثواب بجعلها مجرد قصد الامتثال إذ تركه يوجب النزول عن الرتبة العالية التي يخلص فيها الكشف عن شوب الوهم والخيال ، ( وجردت القصد والهمة ) عن توجيههما إلى ما سوى الامتثال ؛ ليتم السمع والطاعة فتصح الاستقامة ؛ فلا يكون الكشف إلا به إدراجا فيخاف اختلاله بشوب الوهم والخيال ، فجعلتهما متوجهين ( إلى إبراز هذا الكتاب ) ، إلى عالم الشهادة ، ( كما حده لي رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم من غير زيادة ) ، إذ لو زاد وميز لم يكن الكل فصوص الحكم لاختلاط الأدنى بالأعلى ، وإلا كان مع ذلك مفتريا على رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم . وقد نهى الشيخ رضي اللّه عنه أن يجلد كتابه هذا مع كتاب آخر له أو لغيره ، ( ولا نقصان ) ، لما فيه من كتمان ما أمر بتبليغه فيدخل تحت قوله تعالى : وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَما بَلَّغْتَ رِسالَتَهُ [ المائدة : 67 ] . ( وسألت اللّه تعالى ) ، مخافة تغليط الشيطان بتغيير الرؤيا بإيهام رؤية غير المرئي ، ونسيان البعض ( أن يجعلني فيه ) ، أي : في إبراز هذا الكتاب على الحد المذكور ، ( وفي جميع أحوالي ) ، إذ لو تطرق في بعض الأحوال لم يؤمن أن يتطرق في إبرازه أيضا ( من عباده الذين ليس للشيطان عليهم سلطان ) ، بالإضلال والوسوسة ، كما قال تعالى : إِنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ [ الحجر : 42 ] ، وسألته ( أن يخصّني في جميع ما يرقمه بناني ) ، أي : اكتبه ، ( وينطق به لساني ) ، أي : أقوله ، ( وينطوي عليه جناني ) ، أي : يخطر بقلبي ( بالإلقاء السبوحي ) أي : بإلقاء الخاطر الرباني والملكي ، ( والنفث الروحي ) ، أي : إلقاء الروح للمعنى بطريق النفث . وفيه إشارة إلى خفاء ما يلقى بالنسبة إلى الإلقاء بين السابقين طلب الاختصاص بذلك بعد الاستعاذة عن الخاطر الشيطاني ، لئلا تزاحمه الخواطر النفسية ؛ فلا تصفى حكاية الكلام النبوي عن شوب النفس سيما المنامي ، وبالغ في ذلك بأن طلبه إلى حيث بسري أثره إلى لسانه ؛ فلا يسبق بغير ما في قلبه من الخاطر الرباني ، أو الملكي ، أو الروحي ، ثم إلى