علي بن أحمد المهائمي

66

خصوص النعم في شرح فصوص الحكم

قلبه فلا يسبق بغيره ، وطلب أن يكون ذلك الإلقاء والنفث ( في الرّوع النّفسي ) « 1 » ، وهو وجه للقلب يلي النفس يسمى بالروع ، وهو الخوف لما يخاف على القلب من الكدورة من ذلك الوجه طلب الإلقاء والنفث فيه ؛ لأنه لو كان في الوجه الآخر ربما عارضه كدورة النفس من هذا الوجه ، ولو كان في هذا الوجه عمه النور ، وسرى إلى النفس ، ثم إلى سائر البدن . ثم طلب كون ذلك الإلقاء والنفث مقرونا ( بالتأييد الاعتصامي ) ، أي : بتأييد اللّه تعالى ، الروع أي : القلب في أن يعتصم بذلك الإلقاء والنفث ، لئلا تمحوه الخواطر الشيطانية والنفسانية بورودهما عليهما بأن يمنع عزّ وجل من ورودهما أو من تأثيرهما ( حتى ) ، غاية لقوله : « أن يخصّني » ، ( أكون مترجما ) ، أي : مبينا لكلام الرسول عليه السّلام أو لما يرد عليّ بطريق الإلقاء والنفث « 2 » ( لا متحكما ) ، أي : ذاكرا للأمر على سبيل التحكم من عند نفسي ، إما عن هواها أو عن تلبيس الشيطان ؛ فإن ذلك لا يخلو عن التحكم الذي هو ترجيح غير الراجح ( ليتحقق ) ، متعلق بقوله : « أكون مترجما » أي : ليعلم على سبيل التحقيق ( من يقف عليه من أهل اللّه ) ، المطلعين على الحقائق بطريق الكشف ( أصحاب القلوب ) ، المصفاة عن كدورات النفس قيد بذلك إذ لا كشف لمن دونهم . وأما من كان فوقهم ؛ فإنه لا يمكنه الوقوف على الكتب إلا إذا راد إلى مقام القلب ( أنه ) ، أي : الكتاب وارد ( من مقام التقديس ) ، أي : من الإلقاء أو النفث لخلوص حقائقه ( المنزه عن الأغراض النفسية ) ، التي تدعو إليها خواطرها ؛ لأنها ( التي يدخلها التلبيس ) ، أي : تلبيس حقيقة بأخرى ، فإن النفس تلبس على القلب لتجذبه إلى أغراضها التي من اللذات السفلية العاجلة ، ولم تتعرض لوساوس الشيطان ؛ لأنه إنما يتوسل بتلك الأغراض فلا يكون بدونها ، ولما كان في الدعوات ما لا يستجاب فلا يتم المطلوب . قال : ( وأرجو ) ، لرعايتي آداب الدعاء وشرائطه الموجبة للإجابة ، ( أن يكون الحق ) ، تعالى ( لما سمع دعائي قد أجاب ندائي ) ، أي : قولي : يا رب ! بقوله : لبيك عبدي ، فإنه أقل وجوه الإجابة عند اجتماع الشرائط والآداب ؛ فقد ورد : « إنّ العبد إذا قال : يا رب ، قال اللّه : لبيك عبدي » « 3 » .

--> ( 1 ) بضم الراء المهملة هو القلب وهو القوة التي طورها وراء طور العقل ، ينقلب بتقلب التجلّيات وهو برزخ بين إصبعين من أصابع الرحمن يقلبه كيف يشاء من رحمة إلى رحمة ، فافهم . ( 2 ) تنبيه : قوله رضي اللّه عنه ( حتى أكون ) : يتعلق بسألت ، فإن قيل : قوله رضي اللّه عنه : حتى أكون مترجما بما يدل على أنه كان أخذ المعاني وترجمها بألفاظ وعبارات مناسبة من عنده كما هو عادة الترجمان ، قلنا : ليس الأمر هكذا بل الترجمة تطلق أيضا على إبعاد الكلام من الأصل . كما قال الشيخ رضي اللّه عنه في الباب التاسع والعشرين وثلاثمائة في القرآن : إنه كلام اللّه بلا شك ، والترجمة للمتكلم به كان ممن كان انتهى كلامه رضي اللّه عنه . ( 3 ) ذكره المناوي في « فيض القدير » ( 1 / 158 ) ، وأبو شجاع في « الفردوس » ( 1 / 196 ) .