علي بن أحمد المهائمي
643
خصوص النعم في شرح فصوص الحكم
منها خرور من السماء ، وإليه الإشارة بقوله : ( فكذا ما جاءوا به من العلوم ) المشتملة على الحقائق والدقائق ، ( جاءوا به ، وعليه خلعة أدنى الفهوم ) أي : العبارة التي تدل بظاهرها على ما يفهمه من له أدنى المفهوم ، ويكون كنه الحقيقة مستورا فيها ؛ ( ليقف من لا غوص له ) في كنه الأشياء ( عند ) ظاهر ( الخلعة ، فيقول : ما أحسن هذه الخلعة ) ؛ لاشتماله على وجوه البلاغة والبديع ، ( ويراها غاية الدرجة ) التي بها الإعجاز . ( ويقول صاحب « الفهم الدقيق » ) : وليس المراد أهل صنعة المعاني والبيان ، وإنما هو ( الغائض على درر الحكم ) ، وهي الأمور التي تحار فيها أفكار الفلاسفة والمتكلمين ، ولا يصلون أدنى حصصها بما استوجب هذا المعنى الظاهر ( هذه الخلعة ) الخاصة مع أن له خلعا كثيرة ، فلابدّ من النظر في هذا الاختصاص ؛ لكونها ( من الملك ) المطلق الذي يملك الخلع كلها ، ويعطى كل ذي حق حقه ، ( فينظر في قدر الخلعة ) من الإيجاز والإطناب ، وتمام الألفاظ وقصورها ، ( وصنفها ) من الحقيقة ، والمجاز المرسل ، والاستعارة ، والكناية ، ومن الحروف والاشتقاقات وشبهها ، فيعلم وجه اختصاصها بهذا المعنى من بين ( الثياب ) الكثيرة التي يمكن أن تخلع هذا المعنى بكل واحد منها ، ( فيعلم منها قدر ما خلعت عليه ) ؛ لدلالته الظاهرة على الباطن ، ( فيعثر على علم ) من الحقائق بطريق التضمن ، أو الالتزام ، أو الإشارات ( لم يحصل لغيره ) ، وإن بلغ في العلوم المتداولة كلها درجة الاجتهاد ، إذا لم يكن ( ممن لا علم له بمثل هذا ) ، أي : قدر الخلعة وصنفها . [ ولمّا علمت الأنبياء والرّسل والورثة أنّ في العالم وفي أمّتهم من هو بهذه المثابة ، عمدوا في العبارة إلى اللّسان الظّاهر الّذي يقع فيه اشتراك الخاصّ والعامّ ، فيفهم منه الخاصّ ما فهم العامّة منه وزيادة ممّا صحّ له به اسم أنّه خاصّ فتميّز به عن العامّي ، فاكتفى المبلّغون العلوم بهذا ، فهذا حكمة قوله عليه السّلام : فَفَرَرْتُ مِنْكُمْ لَمَّا خِفْتُكُمْ [ الشعراء : 21 ] ، ولم يقل : ففررت منكم حبّا في السّلامة والعافية ، فجاء إلى مدين فوجد الجاريتين فَسَقى لَهُما من غير أجر ، ثُمَّ تَوَلَّى إِلَى الظِّلِّ الإلهيّ ؛ فَقالَ رَبِّ إِنِّي لِما أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ [ القصص : 24 ] ، فجعل عين عمله السقي عين الخير الذي أنزل اللّه إليه ، ووصف نفسه بالفقر إلى اللّه في الخير الذي عنده ] . ثم أشار إلى سبب عدم ذكر الأنبياء - عليهم السلام - الحقائق بالعبارات المختصة الصريحة للخاصة فقط ، فقال : ( ولمّا علمت الأنبياء والرّسل والورثة ) من علماء السلف ذكر الكل ؛ ليدل على أنه طريق الكل ما داموا يعلمون ( أن في العالم ) ، ولا سيما ( في أمتهم من هو بهذه المثابة ) من فهم الحقائق من الظواهر بخلاف المتأخرين ، فإنهم إنما ذكروا الحقائق بالعبارات المختصة بها ؛ لعلمهم أن ليس في العالم ظاهرا من يفهم هذه الحقائق من