علي بن أحمد المهائمي

644

خصوص النعم في شرح فصوص الحكم

الظواهر ما لم يعلموها أولا بالعبارات الصريحة ( عمدوا في العبارة إلى اللسان الظاهر ) ، إذ يحصل به الإتلاف والاتفاق بين الكل ، ولا يقع الافتراق ؛ لأن هذا اللسان هو ( الذي يقع فيه اشتراك الخاص والعام ) ، وإن اختلفت مراتبهم في الفهم ، ( فيفهم منه الخاص ما فهم العام منه ) ؛ لأنه مراد منه لا كما تقوله أهل الطامّات من الصوفية ، ولا الباطنية من الشيعة ، ويفهم منه الخاص زيادة لا تخالف مفهوم العبارة لو عبر عن تلك ( الزيادة ) بعبارة صريحة لا يكون مفهوم إحدى العبارتين مناقضا لمفهوم الأخرى ، فتلك العبارة ( مما صح له به اسم أنه خاص ) ؛ لأنه مبتدع ملحد كما تزعم الجهّال بالحقائق ، وكيف لا يكون فهمها خاصّا ، وهو ( يتميز به ) ، أي : بهذا الفهم ( عن العامي ) بعد اشتراكهما في المفهوم الظاهر ، والخصوص إنما يحصل للخاص بحصول المميز من الفصل أو الخاصة . ولما كان هذا مقصد الأنبياء والرسل - عليهم السلام - من البيان باللسان الظاهر ، والورثة تابعون لهم من كل وجه ، ( فاكتفى المبلغون العلوم ) عنهم هذا قبل ظهور القصور في فهم الحقائق عن هذه الظواهر فقط ، وإذا كان الأنبياء - عليهم السلام - دعوا العامة من أممهم حتى علماء الظاهر منهم ، فكيف لا يزعمون به الجهّال المخالفين ، ( فهذه حكمة قوله عليه السّلام ) في خطاب فرعون وقومه : ( فَفَرَرْتُ مِنْكُمْ لَمَّا خِفْتُكُمْ [ الشعراء : 21 ] ، ولم يقل : ففرت منكم حبّا في السلامة ) عن قتلكم ، ( والعافية ) عن عملكم واعتقادكم ، وإن كانت هذه الحقيقة من الظواهر التي لا يتضرر العامة بفهمها ، إلا أنهم في بيان الحقائق بطريق الإشارة على نهج واحد لا يقال : إنما يصح هذا التقرير لو قال : « لما خفتكم » بكسر اللام ، وتخفيف « ما » ، وهو إنما قال : « لما » بالفتح والتشديد ؛ لأنّا نقول : لما كان الكلام في الاعتذار جرى مجرى التعليل ، وإنما قال : أو لأحيى في النجاة ، وهاهنا حبّا في السلامة والعافية ؛ لأن هذا تفصيل ، وذاك إجمال ، والإجمال سابق على التفصيل . ولما فرغ عن بيان كيفية نجاته ، شرع في بيان كيفية فراره بالدرجات حتى يقرب إلى اللّه تعالى ، فجعله من المرسلين ، وهو أنه لما فرّ من فرعون وعمله وخرج من ملكه ، ( فجاء إلى مدين ) بلدة شعيب عليه السّلام ، ( فوجد الجاريتين ) بنتيه يذودان بقيمهما عن الماء ؛ لازدحام الناس عليه ، ( فَسَقى لَهُما من غير أجر ) ؛ ليخلص عمله للّه ، ( ثُمَّ تَوَلَّى ) عن مكان السقي ( إِلَى الظِّلِّ ) المتعارف في الظاهر ، وقصد التولي عن الالتفاف إلى ما سوى اللّه من الأعمال وغيرها ، إلا من حيث كونهما من الظل ( الإلهي ) ؛ ليعلم أن وجوده ظل وجود الحق ، وأن سقيه ظل فيض الحق ؛ ليعلم كمال افتقاره إلى الحق ، ويظهر افتقاره إلى آثاره من الفيض ، ( فجعل عين عمله السقي عين الخير الذي أنزله اللّه إليه ) ، وهو الفيض الإلهي ، ( ووصف نفسه بالفقر إلى اللّه ) ، إذ لم يقل : فقير إلى ذلك الخير ، بل بسبب ذلك الخير فقير