علي بن أحمد المهائمي
642
خصوص النعم في شرح فصوص الحكم
أحبّ إليّ منه مخافة أن يكبّه اللّه في النّار » « 1 » ، فاعتبر الضّعيف العقل والنّظر الّذي غلب عليه الطّمع والطّبع ، فكذا ما جاؤوا به من العلوم جاؤوا به ، وعليه خلعة أدنى الفهوم ليقف من لا غوص له عند الخلعة ، فيقول : ما أحسن هذه الخلعة ! ويراها غاية الدّرجة ، ويقول صاحب الفهم الدّقيق الغائص على درر الحكم بما استوجب هذا : « هذه الخلعة من الملك » ، فينظر في قدر الخلعة وصنفها من الثّياب ، فيعلم منها قدر من خلعت عليه ، فيعثر على علم لم يحصل لغيره ممّن لا علم له بمثل هذا ] . ثم ذكر أنه لو قصد موسى عليه السّلام حب النجاة بالفرار حين فرّ لم يكن ليذكره عند العامة ؛ لأن الأنبياء - عليهم السلام - لا يذكرون الحقائق إلا في ضمن الظواهر ؛ فقال : ( والأنبياء صلوات اللّه عليهم لهم ) من كل ما يذكرون من الحقائق ( لسان الظاهر ) ، إذ لكل باطن ظاهر بتضمنه ( به يتكلمون ) مع الخواص والعوام سواء قصدوا الحقائق وحدها أو لا ( لعموم ) تعلق ( الخطاب ) منهم بالكل من الخواص والعوام مع أنه تضرر للعوام بتلك الحقائق ، ولا يفوت بذلك مقصود الخواص عند ( اعتمادهم على فهم السامع العالم ) بطريق الانتقال من الظواهر إلى الحقائق ، وإذا كان لسان الظاهر مفيدا للكل غير مخل بشيء من مقاصدهم . ( فلا يعتبر الرسل ) في العبارات ( إلا العامة ) ، لكن إنما يتأتى لهم هذه العبارات الظاهرة المشيرة إلى الحقائق دون غيرهم ؛ ( لعلمهم بمرتبة أهل الفهم ) ، فيأتون من العبارات ما يفي بمقاصد كل ذي مرتبة ؛ لذلك كانت لهم جوامع الكلم ، فاعتبروا في بيان الحقائق العامة أيضا بنيان الظواهر ؛ ليحصل لهم النجاة بحصول الاعتقادات الواجبة فيهم ، وإن لم يبلغوا كنه الحقائق تكفيهم ظواهر الاعتقادات في إفادة النجاة فأعطوهم إياها كذلك ، ( كما نبّه عليه السّلام على هذه الرتبة ) ، أي : رتبة العامة ( في العطايا ) الدنيوية أنها إنما تعطى لهم لتفيدهم النجاة ؛ ( فقال : « إني لأعطي الرجل وغيره أحب إلي منه » ) ، لكن إنما أعطيه ( مخافة أن يكبه اللّه في النار ) « 2 » ؛ لأنه إنما يثبت على الإيمان عند وجدانه الشهوات التي يتوسل إليها بالمال ، فإذا فقدها ربما ينقلب على عقبيه والعياذ باللّه . ( فاعتبر ضعف العقل ) في العطايا ، إذ عند ضعفه يقوى داعي الشهوات ، فلا يبالي بدلالة المعجزة على صدق النبي صلّى اللّه عليه وسلّم عند فقد ما غلب على نفسه طلبه ، وهذا العقل وإن كان مفيدا للنظر الموجب للتكليف ، لكنه ( النظر الذي غلب عليه الطمع والطبع ) ، والحكم للغالب ، وإذا اعتبر في العطايا المالية ضعف العقل ، فكيف ولا يعتبره في العلوم التي الزلة
--> ( 1 ) رواه البخاري ( 1 / 18 ) ، ومسلم ( 1 / 132 ) . ( 2 ) سبق تخريجه .