علي بن أحمد المهائمي

641

خصوص النعم في شرح فصوص الحكم

مرتبة الذات ولا تغايره ، فكان هذا الكرب في الذات أيضا ، فهذا الوجود الصوري موجب للراحة مزيل للكرب . وإن كان منقسما إلى ( الأعلى والأسفل ) ، فإن الأسفل ليس بنقص بل هو كمال ، وبه تظهر آثار بعض الأسماء ، كالمذل والمنتقم والقهار ، وهذا الوجود الصوري والآثار العارضة له ، إنما تحصل بحركة الذات والأسماء من الخفاء إلى الظهور ، ( فثبت أن الحركة ) سواء كانت حركة الذات التي لا كرب فيها من حيث هي ذات أو حركة الأسماء ( كانت للحب ) ، وإذا كانت حركة الذات والأسماء للحب ، ( فما ثم ) أي : في الواقع ( حركة في الكون ) التي هي صورة تلك الحركة ، ( إلا وهي حبية ) ؛ لأن صورة الشيء في المرآة لا تخالف الشيء ، فالحب هو السبب الأصلي لكل حركة ، وإن ظهر غيره . ( فمن العلماء من يعلم ذلك ) ؛ فإنه لوقوفه على الظواهر والبواطن يعلم ما هو باطن الأسباب الظاهرة من الأسباب الباطنة ، ( ومنهم من يحجبه السبب الأقرب ) الظاهر عن الأبعد الباطن ، وإن علم في الجملة ما في ضمنه ( لحكمه ) أي : السبب الأقرب على النفس ، وذلك من ( استيلائه على النفس ) حتى أن موسى عليه السّلام كان محجوبا حين فراره عن ملك فرعون ، إذ كان ذلك قبل النبوة ، ( فكان الخوف لموسى مشهودا ) لما وقع استيلاؤه على نفسه ( من قتل القبطي ) ؛ فلذلك قال له بعد النبوة مخبرا عن حالة قبلها : فَفَرَرْتُ مِنْكُمْ لَمَّا خِفْتُكُمْ [ الشعراء : 21 ] ، وإن ( تضمن الخوف ) المذكور في قوله وقصده : ( حب النجاة من القتل ) ، لكنه لم يقصده حينئذ ، ( ففر لما خاف ) ، ولكنه علم حين قاله بعد النبوة أنه ( في المعنى ففر لما أحب النجاة من فرعون وعمله به ) « 1 » أي : القتل ودعوى الربوبية ، لكنه رجح الحال التي كانت له حين فراره على العلم الذي حصل له عند ذلك ، ( فذكر السبب الأقرب المشهود له في الوقت ) أي : وقت الفرار ، وسبب كونه مشهودا أنه ( الذي هو كصورة الجسم للبشر ) ، وهي المشهودة منه دون روحه ، ( وحب النجاة مضمن فيه تضمين الجسد للروح ) ؛ فهو غير مشهود وإن كان معلوما ؛ لأنه ( المدبر له ) . [ والأنبياء صلوات اللّه عليهم لهم لسان الظّاهر به يتكلّمون لعموم الخطاب ، واعتمادهم على فهم السّامع العالم ؛ فلا يعتبر الرّسل إلّا العامّة لعلمهم بمرتبة أهل الفهم ؛ كما نبّه عليه السّلام على هذه الرّتبة في العطايا ؛ فقال : « إنّي لأعطي الرّجل وغيره

--> ( 1 ) الباء متعلقة بعلمه والضمير راجع إلى موسى ، أو متعلقة بالنجاة والضمير للموصوف . ( شرح الجامي ص 486 ) .