علي بن أحمد المهائمي
635
خصوص النعم في شرح فصوص الحكم
صبره على ما ابتلاه اللّه به ، فأوّل ما ابتلاه اللّه قتله القبطيّ بما ألهمه اللّه ووفّقه له في سرّه وإن لم يعلم بذلك ، ولكن لم يجد في نفسه اكتراثا بقتله مع كونه ما توقّف حتّى يأتيه أمر ربّه بذلك ؛ لأنّ النّبيّ معصوم الباطن من حيث لا يشعر حتّى ينبّأ أي : يخبر بذلك ] . وكما نجّاها اللّه من هذه الغموم ، ( نجّاه اللّه تعالى من غمّ التابوت ) « 1 » من حيث العبارة من الغرق ، والخروج عن حدّ مصر ، ومن حيث الإشارة عن ظلمة الطبيعة اللازمة لبدنه الذي هو بمثابة التابوت ، ( فخرق ظلمة الطبيعة ) اللازمة للبدن حين استنار بنور النفس المستنيرة بنور القلب المستنير بنور الروح ( بما أعطاه اللّه من العلم الإلهي ) المنير لما ذكرنا ، الجاعل للقلب ، وما دونه كأنه روحاني ، ( وإن لم يخرج عنها ) ، أي : عن الطبيعة بالكلية ، بل بقيت فيه بحيث يخاف عود ظلمتها عليه ؛ ولذلك ( فتناه فتونا ) . ولما توهم أنها الابتلاء بالمعصية ، وأن الفتون مصدر لا جمع إزالة بقوله : ( أي : اختبرنا ) بالفتن صبره المزيل ظلمته الطبيعية من كل وجه ( على ) كل ( ما ابتلاه اللّه به ) في تبليغ الرسالة ، ( فأول ما ابتلاه اللّه به قتله القبطي ) ؛ لتحقق صبره على مقاومة فرعون بقتل من يعترف بربوبيته ، ويعينه على ظلمه في تسخير بني إسرائيل واستعبادهم ، وكان قتله ( بما ألهمه اللّه ) بأنه قتل واحد من أعداء الدين ، ودفع الظلم العظيم ، وذلك بأن ( ووفقه له في سره ) الذي هو باطن القلب ، ( وإن لم يعلم بذلك ) بظاهره ، فنسبه إلى الشيطان ، ( ولكن لم يجد في نفسه اكتراثا بقتله ) مع أن نفوس الأنبياء أقل مراتبها أن تكون لوامة ، فلابدّ أن يلومه على ما هو معصية في الواقع ، فعلم أنه كان ملهما بما في قتله من هذه الفائدة الدينية الموجبة لقتله ( مع كونه ما توقف ) على إلهامه بالظاهر مع توقف الباطن عليه ؛ فإن ما في الباطن ، وإن كان يسري إلى الظاهر ، فلا يكون ذلك إلا برفع الحجب عن الظاهر ، فيجوز ألا يقف ظاهر الشخص على ما وقف عليه باطنه ، ( حتى يأتيه أمر ربه بذلك ) بأن أمره برفع الحجب فيما بينه ، وبين الظاهر عند كمال تزكية النفس ، وتصفية القلب ، وإنما قلنا بأنه عليه السّلام كان ملهما في قتل القبطي مع كونه معصية في الظاهر ، وفي اعتقاد ظاهر قلبه أيضا ؛ ( لأن النبي معصوم الباطن ) الذي هو مبعث الأفعال ، لكن تكون عصمته قبل النبوة ( من حيث لا يشعر حتى ينبّأ ) . ولما توهم من ظاهره أنه لا يشعر حتى يصير نبيّا مع أنه يجوز أن يشعر به بإخبار نبي آخر ، ويجوز أن يصير نبيّا ، ولا يعلم عصمته قبل أن يخبر به ، فسره بقوله : ( أي : يخبر
--> ( 1 ) غمّ التابوت إشارة إلى ظلمة الطبيعة والنجاة منها إنما يكون بالعلم ؛ والخلاص منها بالكلية لا يتيسر في هذه النشأة . ( شرح الجامي ص 482 ) .