علي بن أحمد المهائمي

636

خصوص النعم في شرح فصوص الحكم

بذلك ) أي : يخبره الوحي أو نبي آخر . [ ولهذا أراه الخضر قتل الغلام ، فأنكر عليه قتله ، ولم يتذكّر قتله القبطيّ ؛ فقال له الخضر : وَما فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي [ الكهف : 82 ] ينبّهه على مرتبته قبل أن ينبّأ أنّه كان معصوم الحركة في نفس الأمر ، وإن لم يشعر بذلك ، وأراه أيضا خرق السّفينة الّتي ظاهرها هلاك وباطنها نجاة من يد الغاصب ، جعل له ذلك في مقابلة التّابوت الّذي كان في اليمّ مطبقا عليه ؛ فظاهره هلاك وباطنه نجاة . وإنّما فعلت به أمّه ذلك خوفا من يد الغاصب فرعون أن يذبحه صبرا وهي تنظر إليه ، مع الوحي الّذي ألهمها اللّه تعالى به من حيث لا تشعر ؛ فوجدت في نفسها أنّها ترضعه ، فإذا خافت عليه ألقته في اليمّ ؛ فإنّ في المثل « عين لا ترى قلب لا يفجع » ، فلم تخف عليه خوف مشاهدة عين ، ولا حزنت عليه حزن رؤية بصر ، وغلب على ظنّها أنّ اللّه ربّما ردّه إليها لحسن ظنّها به ، فعاشت بهذا الظّن في نفسها ، والرّجاء يقابل الخوف واليأس ، وقالت حين ألهمت لذلك لعلّ هذا هو الرّسول الّذي يهلك فرعون والقبط على يديه ، فعاشت وسرّت بهذا التّوهم والظّنّ بالنّظر إليها ؛ وهو علم في نفس الأمر ] . ( ولهذا ) أي : ولكون الأنبياء معصومي الباطن أبدا ، وإن ظهر منهم قبل النبوة ما ينافيها ( أراه الخضر قتل الغلام ) حقّا في صورة باطل ؛ ليعلم أن قتله القبطي كان كذلك ، ( فأنكر عليه قتله ، ولم يتذكر قتله القبطي ) المقصود من هذه الإراءة ، ( فقال له الخضر : وَما فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي ؛ ) لأني نبي ، وكل نبي لا يفعل ما يفعل إلا عن أمر ربه بإلهام قبل النبوة ، ووحي بعدها ، كأنه ( ينبهه ) بهذا الجواب ( على مرتبته ) ، أي : مرتبة موسى ( قبل أن ينبّأ ) ، أي : يجعل نبيّا ( أنه كان معصوم الحركة ) قيد بذلك ؛ لأنه قد لا يكون معصوم القصد ( في نفس الأمر ، وإن ) قصدها على وجه المعصية ؛ لأنه ( لم يشعر بذلك ) أي : ما هو في نفس الأمر لا بعد النبوة ولا قبلها ، أما بعد النبوة ؛ فلإنكاره على الخضر ، وأما قبلها ؛ فلإنكاره على نفسه ؛ ولذلك نسبه إلى الشيطان مع أنه من إلهام الرحمن . ( وأراه أيضا ) فيما يخالف الباطن الظاهر ( خرق السفينة التي ) صفة للخرق بما أضيف إليه ، ( ظاهرها هلاك ، وباطنها نجاة من يد الغاصب ، جعل ) الخضر ( له ) أي : لموسى ( ذلك ) الخرق المهلك في الظاهر ، المنجي في الباطن ( في مقابلة ) إلقاء ( التابوت ) له ، أي : لأجل محافظة موسى مع أن هذا التابوت هو ( الذي كان في اليم ) المغرق للتابوت المهلك ما فيه ، سيما مع كونه ( مطبقا عليه ) لا يمكنه الخروج إلى الساحل بخلاف ما إذا غرقت السفينة ، ( فظاهره هلاك ، وباطنه نجاة ) من غصب فرعون وقتله ، كخرق الخضر