علي بن أحمد المهائمي

632

خصوص النعم في شرح فصوص الحكم

مواقع النجوم ، والاعتقاد أشد من العمل ؛ لأن العمل يجوز بالدليل الظني ، ولا يجوز الاعتقاد به ، وهاهنا أبحاث طويلة عريضة عميقة يأتي ذكرها في آخر هذا النص إن شاء اللّه تعالى . ولما فرغ عن بحث كونه قرة عين لامرأة فرعون ولفرعون أيضا ، شرع في بيان كونه قرة عين لأمه ، فقال : ( ولما عصمه اللّه من ) قتل ( فرعون وَأَصْبَحَ فُؤادُ أُمِّ مُوسى فارِغاً من الهم الذي قد كان أصابها ) من توهم غرق التابوت ، أو خروجه عن حد مصر ، ومن توهم قتل فرعون الذي كانت تهرب منه ، ولا ينافي هذا التأويل قوله من بعده إِنْ كادَتْ لَتُبْدِي بِهِ لَوْ لا أَنْ رَبَطْنا عَلى قَلْبِها [ القصص : 10 ] ؛ لأن ذلك كان قبل التقاط فرعون أو استيفائه عن قول امرأته ، وهذا بعد العصمة عن قتله ، وذلك أن الشيطان أنساها الوحي الذي أوحى اللّه إليها حين أمرها أن تلقيه في اليم : وَلا تَخافِي وَلا تَحْزَنِي [ القصص : 7 ] ، والعهد الذي عهد أن يرده إليها ، ويجعله من المرسلين ، فجاءها الشيطان ، وقال : كرهت أن يقتل فرعون ولدك ، فيكون لك أجره وثوابه ، وتوليت أنت قتله فألقيته في البحر وأغرقتيه . ولما أتاها الخبر بأن فرعون أصابه في النيل ، قالت : إنه وقع في يد عدوه الذي فررت منه ، فأنساها عظيم البلاء ما كان من عهد اللّه إليها ، ثم إنه كان لها غم الفراق ، فأشار إلى إزالته بقوله : ( ثم إن اللّه حرم عليه المراضع ) فلم يقبل على ثدي مرضعة ( حتى ) جيء بأمه ، فلما رآها ( أقبل على ثدي أمه ، فأرضعته ) ، فعينها اللّه لرضاعته ؛ ( ليكمل اللّه لها سرورها ) بعد ما حصل لها السرور من زوال ما أصابها من الهم ( به ) ، أي : بهذا الإرضاع الموجب لرده إليها بحسب الوعد الإلهي . [ كذلك علم الشّرائع ، كما قال تعالى : لِكُلٍّ جَعَلْنا مِنْكُمْ شِرْعَةً أي : طريقا وَمِنْهاجاً [ المائدة : 5 ] ، أي : من تلك الطّريقة جاء ، فكان هذا القول إشارة إلى الأصل الّذي منه جاء ، فهو غذاؤه كما أنّ فرع الشّجرة لا يتغذّى إلّا من أصله ، فما كان حراما في شرع يكون حلالا في شرع آخر يعني في الصّورة ، أعني : قولي يكون حلالا ، وفي نفس الأمر ما هو عين ما مضى ، لأنّ الأمر خلق جديد ولا تكرار . فلهذا نبّهناك ، فكنّى عن هذا في حقّ موسى بتحريم المراضع ، فأمّه على الحقيقة من أرضعته لا من ولدته ، فإنّ أمّ الولادة حملته على جهة الأمانة فتكوّن فيها وتغذّى بدم طمثها من غير إرادة لها في ذلك حتّى لا يكون لها عليه امتنان ، فإنّه ما تغذّى إلّا بما لو لم يتغذّ به ولم يخرج عنها ذلك الدّم لأهلكها ، وأمرضها ، فللجنين المنّة على