علي بن أحمد المهائمي
633
خصوص النعم في شرح فصوص الحكم
أمّه بكونه تغذّى بذلك الدّم فوقاها بنفسه من الضّرر الّذي كانت تجده لو امتسك هذا الدّم عندها ولا يخرج ولا يتغذّى به جنينها والمرضعة ليست كذلك ؛ فإنّها قصدت برضاعته حياته وإبقاءه ، فجعل اللّه تعالى ذلك لموسى في أمّ ولادته ، فلم يكن لامرأة عليه فضل إلّا لأمّ ولادته لتقرّ عينها أيضا بتربيته ، وتشاهد انتشاءه في حجرها ، وَلا تَحْزَنَ [ طه : 40 ] . ثم أشار إلى أن تغذي القلب والروح بالشرع ، كتغذي البدن بالرضاع في الإحياء والتنمية والتقوية ؛ فقال : ( كذلك ) ، أي : مثل الرضاع ( علم الشرائع ) ، فتحريمها من غير أمه إشارة إلى تحريم غير الشريعة المخصوصة بكل طائفة عليها ، ( كما قال تعالى : لِكُلٍّ جَعَلْنا مِنْكُمْ شِرْعَةً ، ) وأشار بطريق الإشارة إلى سبب هذا الاختصاص بقوله : ( وَمِنْهاجاً [ المائدة : 5 ] ) ، فإنه وإن كان معناه بطريق العبارة الطريق الواضح ، فهو إشارة إلى ما ذكرنا أيضا ، ( أي : من تلك الطريقة جاء ) كأنه مركب من جاء بخلاف الهمزة بالتخفيف ومن منها ، والضمير إلى الشريعة ، ( فكان هذا القول ) باعتبار مشابهته ياء لفظا ( إشارة إلى ) أن اختصاص كل طائفة بشرعة ؛ لأنها ( الأصل الذي منه جاء ) كل فرد من تلك الطائفة ؛ لكونه في استعداد عينه الثابتة ، وهو الاستعداد منه ، فجيء كل شخص في الخارج في أصل الوجود ، وفي تحصيل الصفات الكمالية التي من جملتها التعبد بالشريعة المخصوصة . ( فهو ) أي : التعبد بتلك الشرعة ( غذاؤه ) سيما من جهة كونه من أصله ؛ فإنه أتم المغذيات في المتغذي الأول وهو النبات ، وإليه الإشارة بقوله ، ( كما أن فرع الشجرة لا يتغذى إلا من أصله ) ؛ ولذلك يصب الماء في السقي على أصولها لا على أغصانها وساقها ؛ ولاختلاف الأصول اختلفت الشرائع ، ( فما كان حراما في شرع ) لتضرر أهله به بحسب استعدادهم الذي هو أصلهم ، ( يكون حلالا في شرع آخر ) ؛ لانتفاع أهله به بحسب استعدادهم ، وليس هذا من البلاء ، أو تبدل القول في شيء ؛ لأنه إنما يتصور في المتحد من كل وجه ، ولا اتحاد هاهنا من كل وجه ، بل ( نعني ) « 1 » بصيرورة الحرام ( حلالا ) ما اتحدا في الصورة ، ولا يلزم منه الاتحاد بالشخص ، بل غايته الاتحاد بالنوع ، فإن اتحدا بالشخص ، فليس ذلك اتحادا من كل وجه ، إذ الحاضر ( في نفس الأمر ما هو عين ما مضى ) من كل وجه ؛ لأنه إنما يتصور عند اتحاد الذات وجميع العوارض ، لكن العوارض متجددة بالامتثال ؛ ( لأن الأمر خلق جديد ) ، فإن قلنا بإعادة المعدوم ، فليس الثاني عين الأول من كل وجه ، إذ من عوارض الأول زمانه ، ولا يمكن إعادته ؛ ولذلك قلنا : ( لا تكرار ) في التجلي ، وإذا
--> ( 1 ) في نسخة : « أعني » .