علي بن أحمد المهائمي
631
خصوص النعم في شرح فصوص الحكم
ولم يجزم بذلك بل صرّح بأن أمره موكول إلى اللّه . وقد مثّل به في « الفتوحات » المتكبر على اللّه من جملة المجرمين المخلدين في النار ، فقال في الباب الثاني والستين في مراتب أهل النار : وهؤلاء المجرمون أربع طوائف كلها في النار لا يخرجون منها ، وهم المتكبرون على اللّه كفرعون وأمثاله ممن ادعى الربوبية لنفسه ، ونفاها عن اللّه ، فقال : يا أَيُّهَا الْمَلَأُ ما عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرِي [ القصص : 38 ] ، وقال : أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلى [ النازعات : 24 ] يريد أنه ما في السماء إله غيري ، وكذلك نمرود وغيره ، والطائفة الثانية المشركون ، وهم الّذين يَجْعَلُونَ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ [ الحجر : 96 ] ، فقالوا : ما نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونا إِلَى اللَّهِ زُلْفى [ الزمر : 3 ] ، وقالوا : أَ جَعَلَ الْآلِهَةَ إِلهاً واحِداً إِنَّ هذا لَشَيْءٌ عُجابٌ [ ص : 5 ] ، والطائفة الثالثة المعطلة ، وهم الذين يقولون الأشياء جملة واحدة ، فلم يثبتوا إلها للعالم ، ولا من العالم ، والطائفة الرابعة هم المنافقون ، وهم الذين أظهروا الإسلام من إحدى هؤلاء الطوائف الثلاث للقهر الذي حكم عليهم ، فخافوا على ذمامهم ، وذراريهم ، وأموالهم ، وهم في نفوسهم على ما هم عليه من اعتقاد هؤلاء الطوائف الثلاث ، انتهى . ووجه التوفيق بين كلاميه من وجوه : الأول : أن كلام الفتوحات على تقدير عدم إتيانه بالإيمان الذي أتى به عند الغرق . الثاني : أنه على تقدير عدم قبول ذلك الإيمان على مذهب الجمهور . والمثال الغرضي كان الثالث أن مذهب الشيخ هو مذهب الجمهور ، لكنه مهما طالب الدليل على عدم قبوله كما يشعر به كلامه في آخر هذا النص ، وإنما أورد ذلك ؛ ليشعر أن النصوص لا دلالة لها على عدم قبول إيمانه ، ولا على خلوده في النار ، ولا على أن مؤاخذته الأخروية على الكفر ، بل إما أن يدل على كفره وطغيانه قبل هذا الإيمان ، أو على مؤاخذته الدنيوية على ذلك الكفر ، وهو لا يستلزم المؤاخذة الأخروية إذا حصل الإيمان قبل مشاهدة أحوال الآخرة ومكاشفة عالم الملكوت ، والاعتقاد الواجب هاهنا موافقة الجمهور للمقلد سيما والشيخ غير جازم ، وكذا للمجتهد والمكاشف أو لم يثبت الإجماع . فقد رأيت في بعض الرسائل ينقل الخلاف عن بعض المفسرين ، وعن « شعب الإيمان » للبيهقي ، وعن جماعة من العلماء ، فحينئذ يجوز للمجتهد أن يقول بقول إيمانه إذا أدى اجتهاده إلى ذلك ، وكذا لمن كوشف ، ولكن الأولى في حقّه تفويض الأمر إلى اللّه ؛ لأنه قد كوشف غيره بخلافه ، وعلى تقدير الإجماع لا يصح الاعتماد على الكشف ، كما لا يجوز على الاجتهاد ؛ لأن الإجماع دليل قطعي لا ابتلاء فيه ، والمكاشف قد يكافأ على خلاف الدليل الشرعي ابتلاء ، ولا يجوز له العمل بذلك كما قاله الشيخ - رحمه اللّه - في